انتبهوا تعريب التعليم.. خراب وتخريب

24

الذيـــن وضعوا الدستور يجهلون واقــــــع العلـــــم فـــــي مصر

تحقيق: لبيبة النجار

انتبهوا.. هؤلاء الذين أعدوا الدستور الباطل.. كيف سمحوا لأنفسهم بالنص علي «تعريب التعليم» دون أن يناقشوا القضية مع أهل العلم والاختصاص؟.. كيف سمحوا لأنفسهم أن يتلاعبوا بمستقبل أبنائنا ويقرروا تعريب التعليم دون أن تتوافر البنية الأساسية التي تضمن للطالب التعرف علي جميع البحوث والدراسات العالمية بعد ترجمتها؟ كيف سمحوا لأنفسهم أن يحتكروا الحقيقة ولو علي حساب الوطن وحاضره ومستقبله؟!

المادة (12) من دستورهم الباطل تنص علي أن «تحمي الدولة المقومات الثقافية والحضارية واللغوية للمجتمع، وتعمل علي تعريب التعليم والعلوم والمعارف».

فما المقصود بتعريب التعليم والعلوم والمعارف؟ وما علاقتها بحماية الدولة للمقومات الثقافية والحضارية واللغوية للمجتمع، وما أهم آثارها علي العملية التعليمية، وعلي العلم والعلوم الطبيعية «الطب الهندسة الفيزياء والهندسة الوراثية» إلخ، وما علاقتها بقضايا قديمة مثل «أسلمة العلوم»، بل دعونا نقول ما علاقتها بأخونة التعليم والعلوم أو «سلفنتها»، أو الخلط بين العلم والدين؟

ليس بالدستور

> الدكتور إيمان يحيي – الأستاذ بكلية الطب جامعة قناة السويس – يري أن هذه المادة لا مكان لها في الدستور، لأن الدستور ليس خطاب نوايا، ولن نستطيع تعريب الطب الآن، والمعروف أن الطب أول ما تم تدريسه في مصر أيام محمد علي في مدرسة أبي زعبل كان باللغة العربية، وكان هناك كل المراجع مترجمة إلي اللغة العربية، وفي أيام الاحتلال الإنجليزي لمصر تم تدريسه باللغة الإنجليزية.

ويضيف إيمان يحيي بأن هناك الكثير من دول العالم تدرس المواد العلمية بلغتها الأصلية، لأن الطلبة هناك تجيد العديد من اللغات ويسهل عليهم الاتصال بالعالم، كما أنهم يقومون بترجمة جميع المراجع العلمية إلي لغتهم الأصلية، وكذلك تلخيص وترجمة جميع المقالات العلمية وتوفيرها للطلبة بلا مقابل.

وشير إيمان يحيي إلي أن تدريس الطب باللغة العربية أفضل شرط أن يتم التدريس باللغة اللاتينية إلي جانب العربية، وأن يجيد الطلبة اللغات للتمكن من الاطلاع علي كل الدوريات العلمية، إلي جانب ترجمة كل المراجع العلمية للعربية وأن تكون متاحة لجميع الطلبة، ولكن هذا يتطلب عشرات السنين، أما إذا تم تطبيقه الآن فسوف يكون خرابا للتعليم المصري، وكان يجب علي من أقر هذه المادة طرحها قبل التصويت عليها للنقاش مع المختصين.

يبعدنا عن لغة العلم

الدكتور شريف فياض – الأستاذ بمعهد بحوث الصحراء – يري أن تعريب العلوم يجعلنا بعيدين عن العلم، لأن اللغتين الإنجليزية والفرنسية الآن هما لغة العلم الحديث، حيث إن أغلب المراجع العلمية بهاتين اللغتين، وتعريب العلوم الآن سيجعل طلابنا بعيدين عن لغة العلم، وعن الجديد في العلم الحديث، إضافة إلي ذلك فإن هناك الكثير من المصطلحات والمفاهيم من الصعب تعريبها، وإذا ترجمت لا تعطي نفس المعني.

ويضيف شريف فياض أنه عندما كان التقدم العلمي متوافرا عند العرب في الأندلس وغيرها، تعلم الأوروبيون اللغة العربية ليصلوا إلي العلم بلغته، وكان إتقانهم للعربية هو الذي مكنهم من الاستفادة من هذه العلوم في ذلك الوقت، وقادهم إلي التقدم وتخلفنا نحن وتحولت لغة العلم من العربية إلي الإنجليزية والفرنسية، كما كانت لغة العلم في العصور القديمة الإغريقية، فتعلم من يريد تحصيل العلم هذه اللغة، فإذا أردنا أن نأخذ العلم الحديث بحق ونتقدم، فلابد أن نأخذه من علمائه الأصليين وبلغته الأصلية، حتي نفهمه ونتعلم مقصده الحقيقي لنكون جزءا من التقدم والتطور دون تبعية لأحد.

له شروطه

الدكتورة ليلي سويف – الأستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة – تقول: ناقشنا هذه المادة في الكلية، وكان رأي الأغلبية رفض هذه المادة، باعتبارها خرابا وتخريبا للتعليم المصري، وكان علي الجمعية التأسيسية الاستماع لرأي الأساتذة أصحاب الشأن، قبل إقرار هذه المادة لمعرفة أسباب رفضهم لها لأن المناخ العلمي لا يسمح حاليا بالتعريب.

وعلي حسب ليلي سويف فإنها شخصيا مع تعريب التعليم لأن الطالب يتعلم أفضل بلغته الأصلية، بشرط توافر المراجع العلمية وترجمتها وهذا الرأي يعتبر رأي الأقلية داخل الكلية.

اللغات الأجنبية والهوية

الدكتورة ثريا عبدالجواد – أستاذ علم الاجتماع جامعة المنوفية – تقول: لغة العلم المتداولة اليوم في كل بلاد العالم الإنجليزية، وهذا ليس ضد الهوية، لأن العلوم والمعارف أساسا كلها بالإنجليزية، ونحن الآن في عصر الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات، ونستطيع الحصول علي كل ما هو جديد وحديث بسهولة، أما عن تعريب العلوم وخاصة في البلاد العربية، والمعارف في هذه البلاد في حالة انحطاط وتدهور، ولا يوجد بها أي إسهامات في الإنتاج المعرفي والعلمي علي مستوي العالم، سواء في العلوم الإنسانية أو الطبية والرياضية وغيرها، فكيف إذن نطالب بتعريب هذه العلوم، لأن أصحاب هذه الرؤية يعدوها لكي تكون الباب الخلفي لأسلمة العلوم، وإلباسها طابعا إسلاميا.

الخلط بين العلم والدين

وتضيف د. ثريا أن هذا صعب لأن مفاهيم العلم الحديثة ومضمونها مفروض أنها مضامين عامة وعالمية، وبالتالي الاقتصار علي لغة محددة تعبر عن هوية معينة، خاصة أن هذه الهوية ستكون ذات بعد ديني، وهذا يتنافي مع مفهوم العلم الذي يقوم علي النقد، فالعلم يرتقي من خلال النقد الذاتي والمستمر لنظرياته، وهذا ما يؤدي إلي التطور المستمر للمعارف علي مستوي العالم.

يؤدي للتخلف والردة

وتشير د. ثريا إلي ضرورة دراسة واقع الجامعات المصرية وإمكانياتها الآن، وخاصة المكتبات والمعامل والتي تجد صعوبة في الحصول علي الدوريات العلمية ومتابعة الحديث في كل العلوم علي مستوي العالم، فما بالك بتعريبها فهذا سوف يمنع الأساتذة والطلبة من التواصل مع كل المنجزات العلمية والتقدم الراهن علي مستوي العالم وعدم دراية بعلوم العصر الحديث، وهذا سوف يؤدي إلي التخلف والتدهور كل العلوم والتعليم بشكل عام، وبالرغم من أن هناك بعض دول العالم تدرس العلوم بلغتها الأصلية، ولكن العلوم والمعارف عندها متطورة، إلي جانب إنجازاتها العلمية في معظم العلوم، وتوفيرها كل الإمكانيات الحديثة للاطلاع علي كل المنجزات العلمية في كل المجالات.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق