أكابيللا روايــــة مـــي التلمساني غناء دون مصاحبة من الآلات الموسيقية

34

جمال مقار

منذ خمس عشرة سنة أدرت ندوة في هذا المكان لمجموعة من القصص تحمل عنوان «نحت متكرر» لكاتبة اسمها مي التلمساني، كانت تلك المجموعة هي مجموعتها الأولي، حقيقة الأمر أنني بعد تلك السنوات لا أذكر تفاصيل تلك القصص، لكنني أذكر ما أدهشني حينها، إنه ذلك التمكن من اللغة والقدرة علي إنجاز القصة بصرامة وإصرار يتجاوز بكاتبته معاظلات التجارب الأولي، لم تكن القصص ساقطة في رومانسيات فارغة أو حلول افتراضية، أو افتراضات درامية متكلفة لدفع القصة إلي الأمام، بل كانت الكاتبة متدفقة تنم عن أن صاحبها بناء أو بناءة تعرف كيف تضع اللبنات في بناء حتي تكمله، كل ذلك دعاني حينها أن أقدم مقالة عنها، وكعادتي دائما أهدي الكاتب نسخة منها، لعلها تحتفظ بها إلي الآن بين أوراقها.

ثم أصدرت الكاتبة بعد عام روايتها الأولي «دنيا زاد»، والجامع بين المجموعة والرواية هو المنهج الاستبطاني للذات كمنحي لرؤية العالم، فالرواية كانت تحمل لنا تجربة الكاتبة وهي تفقد وليدتها بعد الولادة، أي أنها تحمل لنا تجربة فقد إنساني بكل ما يحمله الفقد من ألم وحسرة ومرارات موجعة.

ما بين تلك الأعوام أصدرت الكاتبة عملين أدبيين آخرين لم يتسني لي أن أقرأهما، هما مجموعة قصص «خيانات ذهنية»، ويوميات تحمل عنوان «للجنة سور»، ثم ها هي تعاودها الكتابة فتصدر روايتها الجديدة «أكابيللا»، لتمثل عملها الخامس، وخمسة أعمال في خمس عشرة سنة، إنتاج قليل، هي إذن كاتبة مقلة، لكن قلة الإنتاج الأدبي ليست سوءة متي كان هذا الإنتاج متميزا ومؤثرا، بل إن كثرة الإنتاج بلا تميز تذكرنا بقول الشاعر:

وصغار الطير أكثرها عيالا

أم الصقر فمقلة نذور

لنعود إلي «أكابيللا» لنحوم حول هذه الرواية التي عنونتها الكاتبة بمصطلح من مصطلحات الغناء الأوبرالي، فـ «أكابيللا» كلمة إيطالية تعني «بدون مصاحبة آلات موسيقية»، والكلمة علي ما تحمله في وقعها من موسيقي تحمل في معناها أن لا موسيقي، كأنها تهيئك لقسوة العمل من جهة، لكنها تعيد بغنائية ما ستجيء محمولة علي لغة دافقة وحماسية وحميمة، لغة تحمل قدرا من شعرية تعرف أن للفظة موضعها، وأن للكلمات معاني فارقة عند استخدامها في نص أدبي له خصوصية ما، هذه الخصوصية تحمل لنا رؤية عالم نفسي لشخصية ممزقة مثل شخصية عايدة «الفنانة» الأرتست كما كان يحلو لها أن تقدم نفسها للآخرين.

عن التيمة

يحق لنا دائما من خلال القراءات النقدية للأعمال الأدبية أن نحاول تلخيص التيمة الـ «theme» التي تعطي العمل مشروعية وجوده، أي كان الاتفاق والاختلاف عند تقييم الأعمال الأدبية لأهمية ذلك من عدمه.

ففي هذه الرواية تقدم لنا الكاتبة لوحة عريضة لشخصية عايدة الفنانة الجامحة التي تحمل عذابات داخلية لشخصية، ظاهرها القوة وباطنها التمزق والاضطراب النفسيان، اللذان يعلوان قرب النهاية القاسية والمأساوية لهذه الشخصية إلي حالة من الشيزوفرينيا.

وفي مقابل شخصية عايدة النرجسية التسلطية الحسية الكذوب المصابة بالكالبتومانيا، بما يجعلها شخصية شديدة التعقيد، هناك شخصية الرواية التي لم تفضح لنا الكاتبة عن اسمها إلا من خلال الاسم الافتراضي الذي دونته عايدة في دفاتر مذكراتها حين أسمتها «ما هي»، وهي شخصية منضبطة تحمل داخلها رقيبا قاسيا، وتحمل أيضا ضعفها الإنساني الذي يتمثل في شعور بالأمومة نحو البشر بعامة، إنها تترجمه إلي ضعف من نوع آخر يجعلها كالفراشة تنجذب نحو عايدة التسلطية النارية الطباع، فتصبح بذلك شخصية تحمل قدرا من الاتباعية.

ثم تلجأ الكاتبة إلي حيلة العثور علي دفاتر مذكرات عايدة أو قل سرقة مذكرات عايدة، ومن خلال هذه المذكرات تنفسح لنا رؤية أوسع لذات «عايدة» بل ولذات الراوية بعد اكتشافها المرير لسخرية عايدة منها، وكراهيتها الدفينة لها.

ومن خلال هذه المقابلة التي تضعنا أمامها الرواية نري النفس الإنسانية أشبه بمحيط عامر بالأسرار والخبايا، بل أشبه بأعماق ذلك المحيط، حيث تضطرب في هذه الأعمال المشاعر الدفينة للنفس، وتكمن مواطن مظلمة شديدة الوحشة، ومناطق أخري يضيئها الحب وتضرم نيرانه فتستحيل عذابا كالعذاب الذي لاقته عايدة علي يدي حسام حين نبذها وأقصاها عنه.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق