الإنسانية الجديدة ومعجم العصور الوسطي

14

كتبت: نبيل فرج

عاشت مصر مراحل زمنية عديدة أخذ القانون فيها إجازة، لصالح النظام القائم، وصالح بطانة الحكم، وأمراء الفساد.

وبسبب سطوة النظام، وعدم الاحتفال بالقانون، لم يكن بوسع أحد من القوي المدنية، التي تؤمن بالتعددية والحوار، أن تحتج علي غياب القانون، أو علي ضياع حقوق الإنسان.

وعندما يكتب هذا التاريخ علي حقيقة ستنطفئ أسماء من الشرائح العليا، لمعت بغير حق، وتبزغ من الظلام الحالك أسماء أخري من أفراد الشعب، طويت صفحتها بفعل السلطة والضلال.

وبهذا يعتدل الميزان المختل الذي ثارت ثورة 25 يناير 2011 من أجله، مطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

وسقوط حكم مبارك بعد ثمانية عشر يوما فقط من اندلاع الثورة، بالرغم من كل القوي التي يتمتع بها، كان حدا فاصلا بين تاريخين.. تاريخ قديم مضي بلا رجعة، ينتسب إلي الغيبيات والظلامية، وتاريخ جديد يبزع للتحضر، فقدت فيه قطاعات عريضة من الشعب الأمل في التغيير، مثلما كانت هناك قطاعات أعرض من الجموع الشعبية والمثقفين علي يقين بأن التغيير قادم لا محالة.

وكانت ثورة 25 يناير السلمية، التي لم يمسك فيها أحد من الثوار بالسلاح وهم يواجهون الموت والسحل، هو البرهان القاطع علي صحة رؤية من كانوا علي ثقة تامة بأن الأبنية الخربة المتصدعة لا معدي عن انهيارها، إن عاجلا أو آجلا.

غير أن التغيير المرتقب بعد الثورة لم يتحقق، وتفاقمت المشاكل، ذلك أن البلاد تعرضت لمآس جعلت الكثير من المتابعين يقولون بصريح العبارة أن النظام السابق – علي علاته – أرحم مما آلت إليه الأوضاع بعد الثورة.

وقعت أحداث جسام انتهكت فيها القوانين في وضح النهار، وصدرت قوانين باطلة بإجماع المتخصصين، وافتقد الأمان في وسط المدن وليس فقط في مناطقها المتطرفة المهجورة، وانعدم التفاهم بين التيارات السياسية، وهبطت لغة الحوار بينها إلي الحضيض، كما انعدمت القدرة علي مراجعة النفس والاعتراف بالغلط، وأغمضت عيون المسئولين عن الوطن عن الجرائم والخروقات التي ترتكب علنا وتسجل بالصوت والصورة، كأنها لم تقع، ولم تسجل بالصوت والصورة.

وفي خضم هذا المعترك طرحت معتقدات متضاربة، كان بعضها محتجبا تحت الأرض لأنها تفتقد الشرعية ولاتزال، وتناقض هذا كله مع الثورة التي ما قامت إلا لكي تنقذ هذا الوطن مما يعانيه.

وكان من المزعج والمثير للقلق أن يقدم في الحياة السياسية – في ترتيب الأوليات – ما كان من حقه أن يتأخر، وأن يتأخر ما كان يجب أن يتقدم، وبذلك اختلط الحابل بالنابل، واقتحم الصورة من لا يؤمن أساسا بالثورة أو بالشباب الذي قام بها، وظهر علي السطح من عرفوا بالفلول، ومن ادعي بلا حجة أو دليل الانتساب إلي الثورة، ومن لحق بها بعد أن تحرك القطار من محطته، واطمأن إلي أن الثورة ماضية في طريقها، وغيرها من الوقائع التي لا يجهلها أحد.

وسيدين التاريخ في صفحاته وقائع لم تحدث من قبل، مثل العدوان علي استقلال القضاء، والعبث بالصحافة، والنيل من الفنانين.

وبهذا كله عادت إلي حياتنا صور بغيضة من الماضي ، أخذت تطل بأبعادها، في محاولة أراد فيها الماضي أن يرتدي ثوب الحاضر، إن لم يكن ثوب المستقبل، دون أن يكون مؤهلا له، ودون أن يجد هذا الماضي من يتصدي له، ويضع الأمور في نصابها، كما ينبغي لكل شئ أن يكون في الدولة المدنية الحديثة حماية للثورة ولضحاياها من الشهداء والمصابين والمضارين الأبرياء الذين كانوا بمثابة الوقود لاشتعالها.

ولكن التراجع عما كانت تحلم به مصر بثورة 25 يناير، فوق انه مناقض لحركة التاريخ إذا أزيل ما يعوق تقدمه، فإن الانحدار بالوطن، أو العودة به إلي الوراء، أشبه بالفعل المستحيل، وبحكم جوهر وماهية التراث الحضاري والثقافي العميق الذي يقدر بخمسة آلاف سنة من الوجود والبناء، منها مايزيد علي مائتي سنة من عمر النهضة المصرية المعاصرة، كانت فيها مصر ترفض التضييق علي صاحب الرأي قي كل فروع المعرفة، أو ألا يسأل الحاكم، أو أن تعلو كلمته علي كلمة القانون.. وعبر هذا التاريخ الذي بنيت فيه أركان الدولة العصرية التي لا يتعارض فيها الاقتباس من الغرب وثقافته مع الأصالة والخصوصية، نشأت عادات وتقاليد ومفاهيم وقيم ارتضاها الشعب بكل طبقاته، ليس من السهل اقتلاعها من الأرض، وإرساء عادات وتقاليد ومفاهيم وقيم بائدة تحل مكانها.

أجل من قبيل المستحيل العدول عن فلسفة التنوير للإنسانية الجديدة، التي نادت تحت سماء مصر بالحرية والعدل والعقلانية والديمقراطية، ومحاولة استعادة معجم العصور الوسطي والخلافة العثمانية، كما أنه غدا أيضا في حكم المستحيل الانتقال من الحقائق النسبية إلي المطلقات، ومن الوضعي إلي المبهم، ومن النظر النقدي إلي التصديق والجزم بلا مناقشة، وإعلاء صناعة الموت علي صناعة الحياة.

إن تهديد الوطن من الداخل أخطر مئات المرات من تهديده من القوي الخارجية.

والمعادلة الصعبة، أو المأزق الراهن: كيف ينهض الوطن مع وجود فصائل مشاركة لها حقوق المواطنة، إلا أن ولاءها كما هو معلن ومعروف، ليس لهذا الوطن، ولا يهمها مصلحته.

إذا كانت المؤلفات الفكرية والفنية الحقة في تاريخنا للجبرتي والطهطاوي ومحمد عبده ولطفي السيد وطه حسين وهيكل والعقاد وسلامة موسي ومحمد مندور ولويس عوض.. المنتزعة من المجتمع والعصر، التي تتساوي مع أرفع المؤلفات في العالم، فإن ما يتفق عليه المجتمع بغالبيته العظمي، ويتمشي مع العصر، يصبح هو الاستفتاء الحقيقي والقانون والدستور الذي يتعين الأخذ به، لأنه ينبع من جموع الشعب، بلا توجيه أو قسر أو ثمن كما نبعت ثورة 25 يناير من إرادة الشعب الحرة.

ولمن يشكك في سلامة هذا المعيار عليه أن يتذكر ما يقوله فقهاء القانون من أن الرئيس المنتخب بالإرادة الشعبية الحرة لا يمكن خلعه، وعلي غراره فإن ما يتفق عليه أهل الرأي لا يجوز نقضه، كما أن المظاهرات التي عمت مصر كلها تملك الحق نفسه فيما تطالب به، وليس الانتخابات والاستفتاءات المصنوعة التي تأتي بنتائج مشكوك في صحتها، ومع هذا توصف بأنها «حرة ونزيهة».

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق