د. جودة عبدالخالق يكتب:القرار الذى غير مجرى التاريخ

558

لقطات

القرار الذى غير مجرى التاريخ

 د.جودة عبد الخالق

إنه قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، الذى أعلنه جمال عبد الناصر يوم 26 يوليو 1956 من ميدان المنشية بالإسكندرية. “باسم الأمة، … تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، شركة مساهمة مصرية …”. أعلن ناصر هذا القرار بعد أسبوع واحد من إعلان أمريكا في 19 يوليو 1956 سحب عرضها للمشاركة في تمويل مشروع السد العالى، والذى أعقبه سحب بريطانيا والبنك الدولى عرضهما. معلوم أن “الشركة العالمية لقناة السويس البحرية” التي أممتها مصر هي شركة مصرية  أسسها فرديناند دليسبس عام 1859 لشق وإدارة قناة السويس بفضل امتياز حصل عليه من الخديو سعيد. ولكن كان يسيطر عليها الفرنسيون بحكم ملكيتهم لأغلبية رأسمالها. كما أن هذه الشركة كانت في نفس الوقت شركة تابعة لشركة قابضة هي “الشركة الهولندية لتطوير الصناعة” التي تأسست عام .1822.

وعندما أممت مصر شركة قناة السويس كان من بين بنود اتفاق التسوية بين الحكومة المصرية وملاك الشركة أن يحتفظىوا باسم “السويس” كاسم تجارى. وكونوا شركة اسمها السويس. ثم اندمجت هذه الشركة عام 2008  مع شركة “Gaz de France”  وأسسا شركة عملاقة باسم “غاز فرنسا السويس” — التي أصبحت أكبر شركة على مستوى العالم للغاز الطبيعى المسال.  وفى عام 2015 تم تغيير اسم هذه الشركة القابضة إلى Engie . وهى شركة عملاقة يعمل بها 90 ألفا في جميع قارات العالم. وامتد نشاطها الى مصر، فافتتحت في ديسمبر 2019 أكبر مزرعة رياح خاصة في رأس غارب لإنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة المتجددة للرياح. كل هذا يوضح القدرة المذهلة للمشروعات الرأسمالية على التكيف والبقاء والتوسع في عصر العولمة. ومازال اسم السويس باقيا فى عالم الأعمال الدولية رغم تأميم شركة قناة السويس منذ 64 عامًا! وبعد أن كان نشاط شركة السويس محصورا في المحروسة فقط، أصبح يغطى كل أرجاء المعمورة.

ولكن الاستثمار الأجنبي في مشروع قناة السويس في القرن التاسع عشر استفاد منه الأجانب وتحمل المصريون أعباءه وتبعاته.  لقد اشترك في شق قناة السويس نحو مليون مصري خلال عشر سنوات 1859-1869 وذلك فى وقت كان عدد سكان مصر أصلاً أقل من 4 ملايين. وكانوا يعملون بالسخرة ويُجلبون من قراهم كما البهائم للعمل في المشروع. ومات أكثر من 120 ألف مصرى فى أثناء الحفر، بسبب الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة. وشاء القدر أن تكون عائلتى شخصيا (عائلة خليل) أحد ضحايا الاستثمار الأجنبي في هذا المشروع العولمى. ونتج عن ذلك تشتتها بين محافظات الدقهلية (حيث جذور عالتنا وأصولها) والشرقية التي استقر فيها بعض الناجين من مأساة الحفر في القناة، والمنوفية التي فر إليها بعضهم بعيدا عن مطاردة السلطات لاسطيادهم واقتيادقهم إلى المشروع. لقد كان للأجانب كل الغُنم وعلى المصريين كل الغُرم.

إذن قرار التأميم، الذى جاء كرد فعل لرفض القوى الغربية تمويل مشروع السد العالى، تحول إلى فعل  كان له ردود أفعال وأصداء تجاوزت مصر نفسها إلى العالم باتساعه. فقد غير القرار مجرى التاريخ بالفعل. (1) فقد أدى إلى مواجهة مع القوى الاستعمارية الغربية فيما عرف بأزمة السويس التي بلغت ذروتها بالعدوان الثلاثى على مصر والمعروف بحرب السويس في خريف 1956. واكتسبت مدينة بورسعيد لقب ستالينجراد الشرق بصمودها البطولى أمام ذلك العدوان الغاشم. وخرجت مصر كقوة إقليمية ودولية فاعلة. (2) وكانت حرب السويس المفجر لانهيار الإمبراطورية البريطانية “التى لا تغرب عنها الشمس”. (3)  شجع الدول الخاضعة للاستعمار في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية على الكفاح في سبيل التحرر السياسى والاقتصادى. (4) أوضح ان ما فشلت فيه إيران بقيادة محمد مصدق في تأميم صناعة النفط في 1951 أصبح ممكنا، فتطلعت دول كثيرة لتحرير اقتصاداتها من السيطرة الأجنبية.

إن قرار تأميم شركة قناة السويس عمل ملهم، ومن حق المصريين أن يفخروا بهذا التاريخ. ولكن من واجبهم أيضًا أن يستوعبوا دروسه الثمينة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق