ماجدة موريس تكتب : حـــــروب الإعــــــــلام عاصفة «العريفي» .. هل هي شو إعلامي.. أم سياسي؟

21

منذ عشرة أيام، عرضت فضائية خاصة مقتطفات من خطبة لشيخ سعودي يدعي «محمد العريفي» في فضائل مصر وأفضالها علي العالمين العربي والإسلامي، وقامت الدنيا ولم تقعد، فقد تحولت الخطبة إلي أكثر المواد الإعلامية انتشارا علي الشاشات الخاصة، أما علي تليفزيون الدولة، فقد تمت اذاعتها ثلاث مرات بتنويهات خاصة، والإذاعة هنا تعني استعادتها كما هي دون أي اضافات تليفزيونية مثل استضافة خبراء للتعليق عليها أو إعداد برنامج يحلل فقراتها كما ينبغي أن يكون العمل التليفزيوني ..

باختصار أسعدت الخطبة الكثيرين في مصر، وأنا منهم قبل اكتشاف البعد الآخر أو فلنقل الابعاد الأخري لصاحبها الشيخ العريفي، والتي تناثرت هنا وهناك، من خلال المواقع الإعلامية الشهيرة علي شاشة الإنترنت، والتي يعمل جزء منها علي رصد كل ما يصدر من المشاهير، سواء لصالحهم أو ضدهم، وأيضا يتابع كل ما يصدر من وسائل الإعلام الأخري، خاصة تلك التي تحتل مواقع مهمة ولها مصداقيتها وجماهيرها، ومن هنا توالت الأخبار عن أقوال وفتاوي أخري للشيخ العريفي غير ما قاله من أقوال وفتاوي في حب مصر، ومنها مثلا فتوي له ضد قناة الأطفال التابعة لشبكة «أم.بي.سي» الفضائية السعودية بسبب البرامج التي تقدمها (أغلبها مستورد ومترجم) وتوجه فيها الأطفال لألعاب وحكايات وسلوكيات رآها هو خطرا علي الأطفال السعوديين فحذر من القناة كلها!، ومثل الفتوي التي أصدرها بناء علي سؤال جاءه يحظر فيها انفراد الأب بأبنته وحدهما حتي لا تفتنه !
وكان السؤال من سائلة علي زوج شقيقتها الذي يتحرش بابنته ، وبدلا من أن يدرك (العريفي) أنه مريض ويقولها عمم الأمر بحيث يطول كل الآباء والبنات! وهكذا توالت الأخبار عن الشيخ الذي لقي كل هذا الاحتفاء والتهليل من مصر والمصريين، وأيضا توالت مقالات «رد الفعل» من كتاب سعوديين حول هذا، وهي مقالات بدأت في الإعلام الورقي (جريدة عكاظ) وانتقلت إلي الإعلام الإلكتروني (موقع ياهو- مكتووب)، وتناولتها بالتعليق اذاعات وقنوات عديدة منها مقال الكاتب (خلف الحربي) يوم الأحد الماضي بعنوان دال هو «خذوه» الذي اقترح فيه أن يأخذ المصريون العريفي بأتباعه وفتاويه المثيرة مثل ادعائه بأن (الرسول يمكن أن يبيع الخمر أو يهديه)، أو ذهابه لتلبية دعوة كنيسة في هولندا يوم 25 ديسمبر واكتشافه في اللحظة الأخيرة أنهم يحتفلون بالكريسماس والعياذ بالله!، ووعد العريفي جماهيره بأنه سيصور حلقته القادمة في القدس ثم ظهر عليهم من جبل في الأردن.. ويؤكد الحربي أن هذه «المفرقعات الاسبوعية» الجميلة ربما تثري الحوار في المجتمع المصري «خاصة أن الشعب المصري شعب مضياف، وأن مصر التي احتضنت من قبل العلماء والمفكرين والأدباء والفنانين من سائر ديار العرب، لن يجد فيها العريفي مشكلة بعد أن قال أنه يحبها، ولا يجد مشكلة مع أقباطها ، بل ما هو اعجب انه يقدر ويحترم دور المرأة المصرية في المجتمع، وهذه حالة انسانية رائعة لا أظن أنه قد وصل إليها من قبل، لذلك فإن في بقائه في مصر فائدة له كي يبقي علي هذه الحالة المتسامحة».

نجومية الإعلام وليس العلم

من جانب آخر، فقد أبدي الكاتب السعودي حمودة أبو طالب دهشته الشديدة من هذا الشو بأسلوب آخر، في جريدة عكاظ أيضا، مؤكدا علي أنه رأي العريفي- ليس العالم الخارق الذي يدهش مصر بالذات ويجعلها تحيطه بتلك الهالة الكبيرة من الدعاية والاحتفاء (فهو واعظ وداعية انفعالي يلجأ في كثير من الأحيان إلي طرق الغريب والعجيب وغير المستساغ من القضايا والأفكار، وربما يكون قد وصل إلي درجة من النجومية الإعلامية عبر بعض الفضائيات، لكنه بأي حال لم يصل إلي درجة النجومية في العلم، وبالتالي كان أكثر ما يمكن أن يخصص له حلقات في الفضائيات المصرية يقول فيها ما يشاء لكن دون زفة رسمية بمباركة الإعلام الرسمي في وقت تمر فيه مصر بكثير من الاشكالات بسبب بعض ممارسات جماعة الإخوان المسلمين داخل مصر وخارجها، وتورط بعض المصريين وغير المصريين في إثارة الشبهات حول محاولة توسيع نفوذها خارج مصر لترجمة حلمها أو وهمها القديم ببسط سيطرتها علي العالم الإسلامي.. فهل هناك رسالة من وراء هذه الاحتفالية الاستثنائية بزيارة الشيخ (السعودي) محمد العريفي تريد جماعة الإخوان ايصالها؟؟

..هكذا اختتم ابو طالب مقالته التي نقلت من عكاظ إلي الشبكة الالكترونية، والتي تثير هي وما قبلها علامات استفهام كثيرة.. أولها هل فقدت مصر تأثيرها الكبير علي العالم العربي والإسلامي. والذي كان قوامه جيش القوة الناعمة من علماء للدين ومفكرين وادباء وفنانين خاصة هؤلاء الدعاة والعلماء الذين ذهبوا إلي كل البلاد العربية والإسلامية والغربية ينشرون رسالة وقيم الدين المستنير.. وهل أصبحت مصر اليوم – كما قال أبو طالب في بداية مقاله- بحاجة إلي استضافة او استقدام داعية يعظ الناس في أزهرها، أو يلقي خطبة الجمعة في أحد أشهر جوامعها؟؟، وماذا إذن يفعل جيش العلماء المصريين الكبار إذا تم هذا الاحتفاء «الجبار» بمن يقل عنهم قيمة وقامة باعتراف أهل بلده أنفسهم؟ ثم هل تداعت ثقتنا بأنفسنا وبلدنا وحضارتنا العريقة إلي هذه الدرجة حتي يبدو كلام العريفي لنا وكأنه اكتشاف لأمر لم نعرفه من قبل؟ أم أن ما حدث ويحدث لنا من اختراق وهجوم علي كل ثوابت حضارتنا دفعنا للانكماش علي هذا النحو، والعجز عن رؤية موقفنا وتقديره (بفعل الفوضي الحالية)، وهل الاحتفاء الرسمي بالعريفي وخطبته هو نوع من الدعم السياسي لخطط الإخوان المسلمين أم أنه مجرد شو اعلامي تحول إلي اختراق لثوابت مصرية ظهرنا فيها بمظهر الدولة التي تنتظر أي كلمة تشجيع واعتراف بها، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تغير قنواتنا سياساتها لتقديم كل الأشياء الجميلة من هذا البلد في لقاءات وبرامج وحوارات، أشياء تحدث عنها الشيخ العريفي في خطبته وأقصد بها حضارة وتاريخ وعلم وعلماء مصر.. أم أن زامر الحي لا يطرب ..

والبركة في القادم من بعيد؟ أن ما يخجل في هذه «العاصفة الإعلامية» أن بضاعتنا ردت إلينا ولكن من خارجنا، وأننا بدون كمن لا يعرف أنها كذلك، وهو أمر مأساوي وكوميدي أيضا، فهل نجح هؤلاء المطالبون بهدم أثارنا وحبس نسائنا وإلغاء ثقافتنا، هل نجحوا في افقادنا مناعتنا لهذه الدرجة أم أن ما قاله العريفي في فضائل مصر كان نغمة في الاتجاه الصحيح تحولت بفعل الاستخدام الإعلامي والسياسي إلي تقليل لقيمة مصر نفسها وإظهارها بمظهر البلد والشعب الذي لا يعرف عن نفسه شيئا، وربما كان هذا الأمر تحديدا يمثل نقطة نظام للإعلام المصري الذي تحول في أغلبه – خاصة التليفزيون- إلي إعلام رد الفعل.. وليس الفعل..

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق