تقرير أمريكي: لماذا تفشل العقوبات الأمريكية؟ 

روسيا لم تتأثر فعليًا.. و"كاسترو" استثمر العقوبات سياسيًا في تدعيم السلطة الشيوعية في كوبا

232

*ظهور قوى اقتصادية كبيرة أخرى بجانب الولايات المتحدة يوفر البدائل للدول..*العقوبات كانت أحد العوامل الرئيسية التي أدت لصعود “موسوليني” إلي السلطة

 كتب – مارك مجدي:

تعتبر العقوبات الاقتصادية الأمريكية، أحد الأدوات المهمة في الضغط علي الدول التي تتخذ نهجاً سياسياً لا يتوافق مع المصالح الأمريكية المتنوعة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الجيوسياسية, وقد توسعت الولايات المتحدة في تطبيق هذه العقوبات في الآونة الأخيرة، لتشمل ما يزيد على30 دولة أبرزها إيران, كوريا الشمالية, السودان, كوبا وفنزويلا.

ومع التوسع في التطبيق لاحظت دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة، أن أداة العقوبات لم تعد بالكفاءة ولا التأثير المعهود, خاصة فيما يتعلق بدول مثل الصين وروسيا وكوبا وفنزويلا.

تستخدم العديد من الحكومات العقوبات الاقتصادية كأداة للسياسة الخارجية، وعادة ما تفرض دولة أكبر العقوبات الاقتصادية على دولة أصغر لسبب من سببين: إما أن هذه الأخيرة تمثل تهديدًا لمصالح الدولة الأولي أو أنها تنتهك المعايير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

والعقوبات تتخذ أشكالًا مختلفة, من الحواجز التجارية والتعريفات الجمركية إلي القيود المفروضة على المعاملات المالية، وتهدف العقوبات الاقتصادية عموماً إرغام حكام الدول المستهدفة بتلك العقوبات على تعديل سياستهم, وتستهدف العقوبات الأمريكية بالأساس إسقاط النظم السياسية والإتيان بسلطات جديدة مؤيدة لها ولسياستها, فالوسائل المستعمَلة وسائل اقتصادية، لكن المستهدفات تبقي سياسية.

والعقوبات الاقتصادية نوعين رئيسيين، الأول هو العقوبات ذات المدي البعيد والشاملة، والثاني العقوبات “الذكية” بتعبير الخزانة الأمريكية, الأولي هي عقوبات تمتد لسنين طويلة وتتمثل في حظر السلاح والحظر المالي المفروض علي كوبا منذ الثورة الكوبية.

وكانت العقوبات الأكثر نجاحاً هي تلك المفروضة علي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في الثمانينيات وعلي نظام صدام حسين في التسعينيات.

وبعد سلسلة طويلة من فشل هذه العقوبات في دول مختلفة انتهت بفنزويلا التي خضعت لأقصي العقوبات الأمريكية في ظل جائحة كورونا ولم يتأثر النظام السياسي فيها بهذه العقوبات, يثار التساؤل في الداخل الأمريكي حول فعالية هذه العقوبات.

وفي هذا السياق، تقدم الأكاديمي الأمريكي وأحد مسئولي وزارة الخزانة الأمريكية، جاري هوفباور، والمتخصص في مجال العقوبات وأثرها السياسي والاجتماعي بدراسة مفصلة للكونجرس الأمريكي عالج فيها هوفباور مدي تأثير العقوبات والمعوقات التي تحول دون فعاليتها.

يذهب “هوفباور” إلى أن العقوبات في الأربعين سنة الأخيرة لم تؤد إلي نقصان في الناتج المحلي الإجمالي للدول الموقع عليها العقوبات سوي بنسبة 2 % فقط, وهي نسبة ضئيلة جداً, باستثناء الحالة العراقية إبان حرب الخليج التي أثرت علي الناتج المحلي الإجمالي العراقي بنسبة 15 %.

ويضيف “هوفباور” أن العقوبات التي وقعتها أمريكا في فترة رئاسة دونالد ترامب، كانت الأقل فعالية علي الإطلاق. وهو هنا يشير إلى عدم فعالية العقوبات التي توقع من قبل طرف واحد, ففي حالة أن تكون العقوبات مفروضة حصرياً من قبل الجانب الأمريكي، فهي غالباً ما تكون غير مؤثرة سياسياً بالقدر الكافي الذي يضمن التغيير المنشود في النظام السياسي.

ويرجع هوفباور، فشل العقوبات الاقتصادية الأمريكية إلي عدة عوامل, فتناول المسألة الكوبية, حيث فرض علي كوبا عقوبات ترجع لعام 1959, وهي دولة صغيرة قريبة جداً من الولايات المتحدة وكانت تعتمد سابقاً علي التجارة مع الولايات المتحدة بشكل كلي, ورغم ذلك لم تحقق العقوبات النتائج المرجوة رغم شدتها, فهي بالتأكيد نجحت في تقليص الاقتصاد الكوبي، لكن بقي الاقتصاد الكوبي الصغير قائماً ومستمراً.

والعوامل التي أدت لفشل العقوبات الأمريكية في كوبا يذهب “هوفباور” إلى أن السبب الرئيسي هو وجود الرئيس الكوبي فيدل كاسترو الذي يتمتع بسلطة كبيرة علي الدولة في كوبا. فلقد نجح كاسترو في تحمل العقوبات بل واستثمارها سياسياً في تدعيم السلطة الشيوعية في كوبا وحشد الكوبيين في مواجهة الولايات المتحدة وما تمثله كقوة رأسمالية كبري. فاستعمار الولايات المتحدة لكوبا قبل الثورة هو الأمر العالق في ذهن الكوبيين عند ذكر الولايات المتحدة.

وفي إشارة سريعة لتاريخ العقوبات الأمريكية علي الاتحاد السوفيتي سابقأ وروسيا لاحقاً يقول “هوفباور” أن دولة بحجم روسيا التي تمتلك السلاح المتطور لم تتأثر فعلياً في أي وقت من الأوقات بهذه العقوبات” بالتأكيد فرضت هذه العقوبات العراقيل لكنها لم تتمكن يوماً من احداث أي اضطراب في الداخل الروسي.

فنزويلا علي خطى كوبا

ومن روسيا إلي فنزويلا, حيث تشتد العقوبات علي فنزويلا أكثر من أي وقت مضي, ورغم ذلك نجح النظام السياسي هناك في الاستمرار, ويرجع الكثير من المحللين والخبراء هذه المسألة إلي وجود نظام ضمان اجتماعي ودعم سلعي قوي في فنزويلا, حيث يوفر نظام بطاقة “الوطن الأم” الكثير من السلع والخدمات للمواطنين دون تعاملات نقدية, وهو ما قلص تأثير انهيار العملة علي الحصول علي الخدمات والسلع الأساسية. بالإضافة للعوامل السياسية حيث يتمتع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بشعبية كبيرة رغم تحركات رئيس البرلمان جويدو بشكل مباشر في الداخل الفنزويلي في مواجهة سلطة مادورو.

استطاعت فنزويلا، من خلال تحالفاتها الدولية أن تتجاوز حظر الشراء المفروض علي النفط الفنزويلي من قبل الولايات المتحدة, فسرعان ما استبدلت الصين الولايات المتحدة كمستورد أكبر للنفط الفنزويلي, فبينما تشير التقارير إلي أن شراء الصين للنفط الفنزويلي توقف, إلا أن الواقع يثبت أن الصين تحايلت علي العقوبات من خلال الوسطاء مثل الشركات الماليزية وشركة روزنفط الروسية, حيث بدا أمام الجميع أن النفط الذي تشتريه الصين هو نفط قادم من ماليزيا أو روسيا. فرصدت التقارير أن هناك 18 شحنة نفط فنزويلي دخلت إلي الصين بهذه الطريقة بقيمة 19 مليون دولار.

أما علي المستوي الداخلي, فقد نجح نظام الرئيس مادورو، في تجاوز الآثار الداخلية المترتبة علي العقوبات, من خلال استخدام المؤسسات التي تدين له بالولاء, فقد حوصرت الأحزاب الموالية لجويدو رئيس البرلمان الذي أعلن عن عدم شرعية حكم مادورو للبلاد عبر أحكام القضاء العالي التي أرجعت قيادة  الحزبين المواليين لجويدو لقادتهم السابقين مما قيض تحركات جويدو الشرعية تحت غطاء هذين الحزبين.

كيف تتجاوز الدول العقوبات الأمريكية إذن؟

يستقر هوفباور إذن علي أن وجود نظام سياسي متماسك  في الدولة الموقع عليها العقوبة هو العامل الرئيسي في مواجهة العقوبات وتخفيض أثرها, ثم يشير إلي عامل آخر مهم في تجاوز العقوبات وهو مقدار اعتماد كل دولة علي الاقتصاد العالمي في توفير احتياجاتها, فكلما زاد اعتماد الدولة علي الاقتصاد العالمي من خلال استهلاك السلع والخدمات الاجنبية زاد تضررها من العقوبات المفروضة.

ثم يذهب إلي أن ظهور قوي اقتصادية كبيرة أخري بجانب الولايات المتحدة، يوفر البدائل للدول الموقع عليها العقوبات لتفادي أثار العقوبات, فبعد أن فرض حظر بيع و شراء النفط الفنزويلي علي الاشخاص والشركات, قامت كل من الصين وروسيا وإيران بشراء النفط الفنزويلي بكميات كبيرة وهو ما مكن فنزويلا من الاستمرار في ظل العقوبات. وهذا العامل هو عامل مهم يؤدي لعدم فاعلية العقوبات الأمريكية.

إضرار الأصدقاء وليس الأعداء

ويذهب “هوفباور” إلي أنه إذا كانت الدولة المفروض عليها العقوبات هي دولة حليفة للولايات المتحدة فمن المرجح أن يكون للعقوبات تأثير فعال,  يذكر في ذلك واقعة العدوان الثلاثي علي مصر, حيث كانت للعقوبات التي هددت بها الولايات المتحدة أن توقعها علي بريطانيا لمنعها من الاستمرار في العدوان أثراً كبيراً, فكان تراجع أنجلترا حتمياً نظراً لحجم التبادل التجاري الضخم بين البلدين الذي كان سيوقع ضرراً بالغاً علي اقتصاد الممكلة المتحدة. إذاً فللعقوبات الآثر الأكبر علي الدول الصديقة للولايات المتحدة أكثر من الدول التي تتخذ موقفاً معادياً محسوباً.

العقوبات تخلق المتطرفين

وفي ذكره للمرات التي نجحت فيها العقوبات في إحداث التغيير الملحوظ في الدول الموقع عليها العقوبة, ذكر هوفباور التأثير البالغ الذي وقع علي إيطاليا قبل صعود الفاشية, و يري “هوفباور” أن العقوبات الأمريكية كانت أحد العوامل الرئيسية التي أدت لصعود موسوليني إلي السلطة.

“كانت العقوبات شديدة و فعالة حقاً ولكنها أيقظت شجاعة الإيطاليين وحفزت النزعة الفاشية الصاعدة في مواجهة دول العالم.. تلقي التيار الفاشي دفعة قوية بفعل هذه العقوبات, تغير النظام الاقتصادي في إيطاليا بالفعل, لكن للسيناريو الأسوء الذي لم يكن يتوقعه أحد.  تفقر الشعوب ولا تغير النظم السياسية

يقول “هوفباور” أن العقوبات تشبه القصف البساطي, أي قصف الطيران الأهداف بالقنابل الذي يتسم بعدم الدقة والدمار الكامل للأهداف علي الأرض دون تمييز. مثلما فعل الطيران البريطاني ضد الألمان في الحرب العالمية الثانية, حيث يقتل القصف الكثير من الأبرياء. العقوبات كذلك تضر الكثير من من ليس قوة لهم, فتؤثر علي دخول الأفراد وأسعار السلع الأساسية مما يحدث ضرراً كبيرا في حياتهم, وعلاوة علي ذلك فهي لا تفلح في تغيير النظم السياسية في معظم الحالات, بل تخلق كراهية وجدانية للولايات المتحدة و بعض الأحيان تقوي النظام السياسي المستهدف إسقاطه.

 

 

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق