البابا تواضروس ينقذ الكنيسة من انتقام السلطة واحتجاجات الأقباط

26

الابتعاد عن السياسة ومؤامراتها حفاظاً علي بنيان الكنيسة القبطية

بقلم : سامــي فهــمي

حسنا فعل الأنبا تواضروس بطريرك الكنيسة القبطية عندما أعلن أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تهتم فقط بالنواحي الروحية ولا علاقة لها بالسياسة أو الأحزاب السياسية، لقد دفعت الكنيسة ثمنا باهظا للتدخلات في السياسة والانحيازات التي كانت في أغلب الأحيان لصالح السلطة الحاكمة وأحيانا ضد السلطة سعيا وراء اكتساب الشعبية والبقاء دائما تحت الأضواء الساطعة، ليس ببعيد ما تعرضت له الكنائس بعد الثورة من هدم وحرق في إطار مؤامرات المجلس العسكري لإحداث الفرقة والوقيعة بين أبناء الوطن الواحد لتفتيت قوي الثورة وأيضا لتأديب «الكنيسة القبطية» التي سبق وأعلنت التأييد لجمال مبارك وريثا لحكم مصر.. أبرز مظاهر التأديب الواضحة ظهرت في اندفاع المدرعات واللودرات لهدم أسوار دير وادي النطرون دون سابق إنذار أو تنبيه في أعقاب الثورة مباشرة بدعوي الاعتداء علي أراض هي في الأصل صحراوية!!

يبدو أن «الكنيسة القبطية» في ظل القيادة الجديدة للأنبا تواضروس قد استوعبت الدرس تماما، وقررت الابتعاد عن السياسة وألاعيبها ومؤامراتها التي تتسبب في مشاكل وأزمات تؤثر علي بنيان الكنيسة ويدفع ثمنها الشعب القبطي من دماء أبنائه كما حدث في مذبحة ماسبيرو بعد الاحتجاجات علي هدم كنيسة المريناب بأسوان، ساعد «الكنيسة القبطية» ودفعها للابتعاد عن الانغماس في السياسة والمشاركة في الألعاب السياسية التغيرات التي طرأت علي الشخصيات القبطية بعد الثورة بأن الوطن هو الملجأ والملاذ وليست الكنيسة، واكتمال نضج ونمو الشخصية القبطية بعد المشاركة الطبيعية والفعالة في أحداث الثورة المصرية، حطم الشعور الوطني للأقباط قيود الكنيسة واشتراطاتها وإملاءاتها الفوقية، أصبح واضحا لقيادات الكنيسة أنه يمكن للشباب القبطي الاعتراض والاحتجاج علي توجهات الكنيسة ورغباتها بشكل فوري وداخل أسوار الكنيسة بل وداخل قاعات الصلاة، أبلغ دليل وتعبير عن ذلك ما حدث في الاحتفال بعيد الميلاد العام الماضي عندما تصاعدت الهتافات والاحتجاجات داخل قاعة الصلاة بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية بعدما وجه البابا شنودة التحية والشكر لأعضاء المجلس العسكري رغم التورط في مذبحة ماسبيرو في أكتوبر 2011 والتي راح ضحيتها 24 شهيدا قبطيا.

إذن لو اتخذت الكنيسة موقفا سواء مؤيدا أو معارضا لأوضاع سياسية أو مجتمعية قد يواجه بمعارضة واحتجاجات فورية تضع قيادات الكنيسة في حرج، لذلك فمن الأفضل الابتعاد عن السياسة لضمان تماسك بنيان الكنيسة، وعدم تعرضها لاهتزازات قد تؤدي لانقسامات.

أيضا لوقاية الكنيسة من الهجمات الانتقامية للسلطة الحاكمة.

يبقي أمام الأنبا تواضروس مهمة ثقيلة تتعلق بإصلاح الأوضاع الداخلية للكنيسة وعلي رأسها العمل بدأب واجتهاد لإزالة المسافات الشاسعة والحواجز العديدة التي تفصل بين القيادات الكنسية وجموع الأقباط، بل العمل علي التخلص من العوائق التي تحول دون دخول الأقباط للكنائس للصلاة والاحتفال في الأعياد بسبب تحكم وتغطرس ما يسمي بـ «لجان النظام» بالكنائس التي تحولت إلي لجان لمنع الدخول إلا حسب المزاج.

كما ينبغي علي البابا التدخل بحسم لتحسين طريقة تعامل الأساقفة ورؤساء اللجان النوعية والمجلس الإكليركي مع الأقباط الذين تضطرهم الظروف أحيانا للتعامل مع هؤلاء الأساقفة وخاصة المسئول عن ملف الأحوال الشخصية وقضايا الزواج والطلاق، لقد عاني الأقباط كثيرا من إهمال وعدم اكتراث بعض الأساقفة عند التعاطي مع مشاكلهم سواء الشخصية أو الدينية.

ولابد للبابا أن يتدخل من أجل إضفاء مسحة من التواضع وقليل من الانسحاق كما تنص تعاليم الأديان عند تعامل القيادات الكنسية مع الأقباط، مازلت أتذكر بألم حتي الآن رغم مرور أكثر من 10 سنوات ما حدث مع أحد المواطنين البسطاء من الأقباط عندما تمكن من تخطي العوائق والحواجز وتمكن من الإفلات من قبضة ما يسمي بـ «لجان النظام» والدخول إلي مقر البابا حيث تجمع مئات من المحظوظين وذوي الحظوة من أصحاب الياقات البيضاء الذين يشغلون مواقع اجتماعية متميزة لتهنئة البابا بأحد الأعياد، كان المواطن يرغب في السلام وتحية البابا وأخذ البركة إلا أنه فوجئ بانقضاض العديد من أفراد لجان النظام والأمن عليه وأشبعوه ضربا وركلا وسحبوه علي الأرض خارج المقر وكادوا أن يفتكوا به لولا تدخل بعض المتواجدين بالخارج، يبدو أن البابا الجديد علي علم بممارسات ميليشيات النظام الذين يرغبون في خلق أهمية ودور لتواجدهم بالتحكم وبمنع الأقباط من الاقتراب من الأب الروحي، إنهم ملكيون أكثر من الملك، يمثلون بطانة السوء المحيطة بأي قائد أو زعيم تسيء إليه بأكثر مما تفيد، لذلك حاول البابا تواضروس تغيير الصورة والهالة المصطنعة التي تحيط برأس الكنيسة القبطية بالسماح لجموع الأقباط بالدخول وتهنئته في احتفالات عيد الميلاد الماضي، إلا أن الأمر لم يسلم من تدخلات أجهزة حفظ الأمن والنظام التي اشتبكت مع القادمين للتهنئة بدعوي الحفاظ علي النظام وحقيقة الأمر أنهم يسعون للحفاظ علي الرغبة الكامنة داخلهم لممارسة التحكم والتعسف والغطرسة في أماكن يفترض أن تسود فيها روح التسامح وقيم الاحترام لكافة المواطنين دون تمييز، أسفرت الاشتباكات عن حدوث إصابات لبعض من جاءوا للتهنئة بالعيد وهو ما اضطرت الكنيسة لنفيه لحرج الموقف.

نفس هواية التحكم والغطرسة تتكرر في بعض الكنائس مثلما حدث في كنيسة مار مرقس بشارع كليوبترا بمصر الجديدة خلال قداس عيد الميلاد يوم 6 يناير الحالي، حيث قام أحد الشمامسة بمعاونة أحد فتوات لجنة النظام بإغلاق باب الكنيسة العريقة في وجه القادمين لحضور الصلاة بدعوي الحفاظ علي النظام، الغريب أن الشماس الذي يملك صكوك الدخول يفتح الباب لدخول البعض ويمنع دخول آخرين بحسب مزاجه وقد يكون هناك أشياء أخري تدفعه لفتح الباب لا نريد الخوض فيها، تسبب هذا الوضع في حدوث مشادات عنيفة تدخل فتوة لجنة النظام لحسمها بالاشتباك مع الراغبين في الدخول ودفعهم بالقوة بعيدا عن الباب.

أسرع بعض الأقباط إلي قسم شرطة مصر الجديدة لتحرير محضر ضد الفتوة لممارسته البلطجة أمام باب مكان مخصص للعبادة ولجوئه لأساليب الاحتيال حسبما جاء بالمحضر الذي قيد جنحة جزئية تحت رقم 281.

وصلت الشكاوي والاحتجاجات إلي مسئول الأمن بالكنيسة عماد ثابت وإلي أحد رعاة الكنيسة القس بيشوي الذي تدخل وحرص علي إبعاد الفتوات والراغبين في ممارسة سلطة التحكم والغطرسة عن أبواب الكنيسة وتركها مفتوحة في عيد الغطاس مساء «الجمعة» الماضي، سارت عملية الدخول والخروج خلال قداس عيد الغطاس بهدوء وسلاسة وتنظيم دون تدخل وتعسف من أحد، لتخرج إلي النور قدرات الشعب المصري وأصالته وحضارته الضاربة في أعماق التاريخ، ويحتفل الأقباط بالعيد دون عكننة ممن في نفوسهم مرض.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق