ماجدة موريس تكتب :بلطية العايمة

892

بلطية العايمة

ماجدة موريس

بلطية العايمة،فيلم عن امرأة مكافحة،أرملة،تعيش من اليد للفم لتعول أولادها الثلاثة وأمها،ولتحميهم من مخاطر المكان ايضا في تلك المنطقة التي تحيط بترعة صغيرة تحيط بها مساكن الصيادين الباحثين عن الرزق الشحيح،،أنه أهم أفلام المخرج الشاب علي رجب الذي فقدناه منذ أيّام ،والذي كان شغوفا بالتعبير عن حيوات البسطاء في مصر ،خاصة أهل الاسكندرية مدينته ،والتي قدم عنها قبل هذا الفيلم فيلم(صايع بحر)عن شاب من الباعة السريحة قام بدوره أحمد حلمي، الفيلمان من تأليف بلال فضل ،لكن الموضوع هنا في (بلطية العايمة) اقترب اكثر من مواضع الألم الإنساني العام للمواطن المصري الذي يمثل الأغلبية في بلدنا، كما اقترب من فئة كبيرة من النساء اللواتي يعولن أسرا بأكملها .

وحيث يكشف الفيلم عن قضية مهمة مستمرة هي طمع الأغنياء والقادرين في أي شئ يجدونه ملائم لمطامعهم ،خاصة اذا كان في حوزة الفقراء،(وهو ما نعرفه من قصص كثيرة عن الاستيلاء علي أراضي الغير،خاصة الفقراء) وهنا يبدو المكان مميز تماما ،أشبه بمدينة ڤينيسيا الايطالية الشهيرة التي يخترقها نهر،ولكن الشبه هنا علي نحو محلي فقير ،بكل ما فيه ،ومن فيه من بشر،فالترعة صغيرة ،وجانبيها مزدحمان ببيوت متراكمة وقوارب الصيادين تشقها طلبا للرزق،أو للوصول للبيوت ،(وهي منطقة حقيقية اسمها المكس. في الاسكندرية)،ومع ذلك تحلو في عيون مستثمر يدرك ان ملامحها تليق بناس آخرين يسكنونها،ويدفعون فيها الكثير بعد إخلائها من سكانها الرعاع،وإعادة بنائها كمنتجع للأثرياء،وفورا يبدأ زبانية المستثمر في إغراء الفقراء بترك مساكنهم مقابل مبالغ مالية،لنري أمامنا طوابير عربات الكارو والنقل تحمل الناس والعفش إلي المجهول،إلا البعض الذي يرفض ترك مسكنه،ومنهم( بلطية) ربة الأسرة الصغيرة التي تعولها من عملها علي عربة حمص وبليلة ورثتها عن أبيها،وأبدعت في صناعتها،(عبلة كامل في أهم أدوارها السينمائية )،والتي تتعرض لكل أنواع الأذي من المستثمر الذي يحاصرها،ومن صاحب مطعم جديد لم يجد زبائن فحرض عساكر البلدية عليها.

وحين تذهب إلي المحافظ لتشكو له ظلمها ،تتعرض لظلم آخر من حراسه لاختراقها موكبه الميري،ويأخذها الإحساس بالمهانة حين تدعي لمعرض حصل صاحبه المصور علي جائزة عن صورتها علي عربة البليلة، وتكتشف أنه تبرع بالجائزة المالية لهيئة ما، ولَم يفكر فيها ،وتعود من المعرض محبطة لتجد المأساة اكتملت ،والبلدوزر هدم بيتها،ورجال المستثمر يحاصرون المكان ،وتحمل ما تبقي من كراكيبها مع أولادها وأمها في اتجاه الشاطئ ،مقررة أن يكون ملجئها،طالبة من الله أن يديمه لها ولأمثالها من الغلابة،استطاع مؤلف الفيلم هنا أن ينتقل بِنَا إلي مكان ومجتمع مميز وموجود ولكنه مهمل،والخروج من أسر الاسكندرية السياحية ومعالمها الجميلة إلي ما وراء هذا،وهو ما يعرفه هو والمخرج جيدا.

ولهذا كان المكان هو البطل الأول للفيلم ،وبعده الحكاية والدراما التي تشابكت فيها خطوط العام والخاص سواء ما يخص المكان وملامحه،أو ما يخص الشخصيات وصراعها مع القادمين لطردهم وبالتالي قدم لنا المخرج علي رجب صورة مؤثرة لقدرته علي شحن الصورة بعناصر توهج واضحة من خلال التصوير والإضاءة للفنان محسن نصر،وايضا إدارته للممثلين حيث أدت عبلة كامل دورا لا ينسي لشخصية جديدة علينا،وكذلك الفنانة المخضرمة نادية عزت في دور الأم،أما الفنان سامي العدل فقد أبدع في دور المستثمر،وكذلك الفنان ضياء الميرغني في دور صاحب المطعم ،أكتب هذا المقال بعد وفاة المخرج الشاب (بعد سنوات من التوقف عن العمل )وإعادة مشاهدة الفيلم الذي انتج عام٢٠٠٨،والذي كان فيلما مختلفا ومهما حقا،رحم الله المخرج علي رجب .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق