مشروع التقرير السياسي المقدم للمؤتمر العام السابع لحزب التجمع «1»

22

بعد عامين من الثورة..«الإخوان» يؤسسون نظامًا استبداديا بغطاء التجمع رمز للحداثة في مواجهة الاستبداد بوجهيه المدني والمتأسلمديني

ينعقد المؤتمر العام السابع لحزب التجمع بعد عامين من اندلاع ثورة 25 يناير 2011 في مواجهة نظام التبعية والقهر والخصخصة والاحتكار والفساد ، الأمر الذي يعظم من الطابعً الفكري والسياسي لهذا المؤتمر، ويلقي علي عاتقنا دفعة هائلة من الأسئلة الكبري التي تحتاج إلي إجابات واضحة بعد عامين من الثورة ، ماذا جري ؟ ولماذا سارت الثورة في تلك المسارات بالذات دون غيرها ؟ وما النتائج الفعلية التي تحققت علي أرض الواقع دون تزيين أو تهوين؟ وما موقفنا من هذه النتائج ؟

فبعد عامين من اندلاع ثورة 25 يناير 2011 علي النظام القديم ، مازال هذا النظام قائماً بكل خصائصه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإن كان في صورة جديدة ، فقد صعدت إلي قمته سلطة جديدة ، هي سلطة الإخوان وتنظيمهم الدولي ومكتب إرشادهم وحزبهم السياسي ، ويستخدم الإخوان هذه السلطة في تنفيذ مخططاتهم لأخونة الدولة وتغيير هويتها الوطنية والسيطرة علي مؤسساتها ، والسيطرة علي كل المقدرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع المصري ، وتقوم سلطة الإخوان منذ سيطرتها علي مؤسسة الرئاسة بالدور الأساسي في تنفيذ مخططاتها للقضاء علي الثورة وأهدافها وشعاراتها في الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ، وتقوم سلطة الإخوان بإعادة إنتاج النظام الاقتصادي والاجتماعي القديم ، كنظام لسيطرة الجناح التجاري والمالي للرأسمالية المتوحشة ، كنظام للجناح اليميني الرأسمالي المحافظ المعروف – عربياً ودولياً – بالليبرالية الجديدة ، كنظام للاستغلال والإفقار والخصخصة والفساد والتبعية ، وإعادة إنتاج النظام السياسي القديم كنظام للاستبداد السياسي والحكم الفردي والتمييز بغطاء ديني.

ولذلك فإن سلطة الدولة الجديدة ، سلطة الإخوان ، لا تقوم بدور استكمال الثورة وتحقيق أهدافها ، ولا تمثل الثورة التي اندلعت في مواجهة نظام التبعية والقهر والخصخصة والفساد والاحتكار الاقتصادي والسياسي ؛ بل تقوم بدور الثورة المضادة وتمثل أهدافها ، ويقوم تنظيم الإخوان ومؤسسة رئاسته وإعلامه بهذا الدور – أي بإعادة إنتاج النظام القديم – بعد أن يضفوا عليه مسحة إخوانية ، ويكفرون معارضيهم باسم الدين ، ويجيشون الأنصار والميليشيات ضد المعارضة المتسعة مبررين همجيتهم بالحفاظ علي الدين ، والدين منهم بريء ، ولذلك فإن هذه السلطة الجديدة التي سيطر عليها الإخوان لا يتمثل خطرها في تمثيلها للثورة المضادة فقط ، ولا في استخدامها للسلطة في أخونة الدولة المصرية وتغيير هويتها الوطنية فقط ، ولا في السيطرة علي المقدرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد فقط ؛ بل أيضاً في طبعها للسلطة الجديدة بطابع وملامح وتصرفات فاشية إخوانية جديدة في مواجهة المعارضة السياسية ، وفي مواجهة الاحتجاجات الشعبية وفي مواجهة المجتمع ، وفيما تمثله هذه الفاشية من خطر علي كل من الدولة والمجتمع والنظام الديمقراطي والعمل السياسي ، وبصفة خاصة ما تمثله من خطر علي دولة القانون والمواطنة وعلي مجتمع العدل والحرية والمساواة ، وما تمثله كذلك من خطر علي الدين نفسه .

وإذا كانت هذه هي النتيجة التي ينطق بها الواقع الجديد بعد عامين من الثورة ، إذا كانت هذه هي المحصلة، فإن السؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه علينا هو : لماذا وصلت الثورة إلي ما وصلت إليه ؟ لماذا وصلت إلي هذه النتيجة ؟ وما رؤيتنا لاحتمالات المستقبل ؟ ما رؤيتنا لكل من الثورة والدولة والمجتمع في المدي القصير والمتوسط ؟ وهي الأسئلة التي لا يمكننا أن نقفز عليها دون تناولها وتقديم إجابات حزبنا عليها ، أي تحديد رؤيتنا لما جري ، وتحديد موقفنا السياسي والثوري من كل ما جري ، وتحديد خطنا السياسي الذي ينطوي علي رؤيتنا السياسية والجماهيرية والثورية لمستقبل مصر ، أي تحديد موقفنا وبالضرورة تحديد مهامنا الملحة في المرحلة الراهنة .

مبادئ وتوجهات أساسية:

يهمنا في البداية أن نؤكد بفخر – ودون تفاخر – علي أن ما جري ويجري في الواقع السياسي المصري الآن ومنذ سيطرة الإخوان علي سلطة الدولة ، وقبلها لفترة قصيرة سيطرتهم علي أكثرية مجلس الشعب قبل حله ، يؤكد أن موقفنا السياسي من الإخوان وقوي التأسلم السياسي ونظرتهم اليمينية الاستبدادية والطائفية لكل من المجتمع والدولة كان صحيحاً ، وأكده سلوكهم السياسي ضد كل مؤسسات الدولة والمجتمع ، وسلوكهم الاستبدادي ضد كل من يتجرأ علي معارضتهم ومعارضة سياساتهم الفاشية ، بل سلوكهم الانقلابي ضد كل الذين تحالفوا معهم ومنحوهم الشرعية بعد الثورة وحتي انتخابات مجلس الشعب المنعدم ودعموا ممثلهم في الانتخابات الرئاسية وضد كل وعودهم السابقة ، وهو الموقف الجديد الذي تتبناه الآن كل القوي السياسية المدنية خارج حزبنا وتعترف بصحة رؤيتنا الثاقبة في هذا الشأن .

ولم يكن موقفنا الفكري والسياسي من الإخوان نتاجاً لنظرة ذاتية أو حلقية – فنحن كنا دائما وما زلنا – دعاة تحالفات ديمقراطية واسعة لإنجاز مهام الثورة الوطنية التحررية والديمقراطية في مواجهة التبعية والاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي والطائفية والفساد ؛ وإنما كان موقفنا نتاجاً لقراءتنا لتجارب التاريخ السياسي لبلادنا ولدور تنظيم الإخوان ضد مسار الحركة الوطنية ، ونتاجاً لقراءة معمقة لبرامجهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية والثقافية المعلنة في الماضي والحاضر ، ونتاجاً لرؤيتنا الفكرية والسياسية المنحازة للوطن والشعب وطبقاته وفئاته الشعبية وثوراته الوطنية وأهدافها وطموحاتها في الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية .

وعلي الرغم من موقفنا الفكري والسياسي الذي كان معلناً من الإخوان فإن حزبنا – حزب التجمع – كان علي رأس القوي السياسية التي أدانت المحاكمات العسكرية للقيادات الإخوانية ، انطلاقاً من موقفنا الثابت والمبدئي المنحاز لقضايا الحريات والديمقراطية ، وضد الاستبداد والمحاكم العسكرية والطوارئ والقوانين المقيدة للحريات ، وأسس وشارك في العديد من التحالفات واللجان الجبهوية للدفاع عن الديمقراطية .

فقد كان حزبنا – وما زال – رمزاً للحداثة في مواجهة الاستبداد بوجهيه المدني والمتأسلم ، وكنا -ومازلنا- علي رأس المدافعين عن الديمقراطية وحقوق الفقراء والمرأة والأقباط وكل المهمشين في مواجهة كل سلطة استبدادية تابعة للاستعمار الأمريكي والصهيونية ، ولم نتخل لحظة واحدة عن ثوابت الحركة اليسارية والوطنية المصرية وتمثل ذلك في :

1- مقاومة التطبيع السياسي والثقافي والاقتصادي مع العدو الصهيوني ، وكنا أول من رفض اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة الصلح مع العدو الصهيوني وشروطها الأمنية التي يعاني منها شعبنا وأمننا القومي في سيناء حتي الآن .

2- الوقوف في مواجهة سياسات الخصخصة وتشريد العمال وإفقار الجماهير ، والدفاع عن ملكية الشعب لأصوله الإنتاجية ، وكشف كل أوجه الفساد التي مورست في ظل سلطة مبارك في عمليات الخصخصة والاحتكار وتوزيع الأراضي وغيرها من عمليات الفساد والإفساد السياسي والإداري والمالي ، والتصدي للقوانين التي كانت تسهل ذلك تشريعياً ورقابياً من خلال تواجدنا في البرلمان وسياسياً وجماهيرياً خارج البرلمان .

3- التصدي لكل محاولات النظام بالتعدي علي الحريات الأساسية سواء كان ذلك عبر قانون الطوارئ أو التشريعات المكبلة لحرية الإعلام والصحافة والإبداع أو المكبلة للحريات النقابية ، ودعم حزبنا لكل التحركات والحركات الاحتجاجية السياسية والاجتماعية ، والإضرابات والاعتصامات العمالية بصفة خاصة .

4- الدفاع الحاسم عن المرأة وقضاياها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، وعن حقها في المساواة الكاملة في المشاركة السياسية والحركة والتعليم والعلم والعمل وتقلد الوظائف السياسية والعامة دون تمييز من أي نوع .

5- الوقوف الحاسم ضد كل المحاولات الطائفية لشق الصف الوطني والتمييز علي أساس طائفي أو ديني ، وكشف ممارسات السلطة وتيارات التأسلم السياسي في هذا الشأن ، واعتبار وحدة شعب مصر قضية نضال وواجب حزبي يمارسه أعضاء وقادة حزبنا باستقامة ونكران للذات .

وقد تبلور الخط السياسي لحزبنا طوال السنوات السابقة علي ثورة 25 يناير 2011 في التمسك بثوابت حزبنا وثوابت الحركة الوطنية المصرية وأهدافها في الحرية والاستقلال الوطني والتنمية المستقلة والديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية ، بما ترتب علي ذلك من مهام نضالية ذات طابع فكري وسياسي وقانوني وطبقي ، وبما ترتب علي ذلك من ضرورة إبداع أسلوب نضالي متنوع الوسائل متنوع الأهداف ، يمزج بين المشاركة والمساندة والدعم والتأييد للنضال السياسي والجماهيري التلقائي والمنظم ، بالمشاركة مع جميع القوي اليسارية والديمقراطية عبر تحالفات سياسية يسارية وديمقراطية واسعة تستبعد قوي اليمين المتطرف المتحالف موضوعياً مع السلطة ، كالإخوان وتيارات العنف الطائفية والإرهابية ، الأمر الذي استدعي – مبكراً – إعلان العداء لحزبنا وقادته ، وسايرهم في ذلك – للأسف – بعض فصائل ورموز القوي الوطنية .

ومع أسلوب المشاركة المباشرة في النضال السياسي والجماهيري ، أنتهج حزبنا أسلوب المشاركة في الانتخابات النقابية والمحلية والعامة باعتبارها في رأينا كانت – ولا تزال – إحدي أدوات اختراق الحصار المفروض علي الحركة الشعبية ، واحدي أدوات التواصل مع جماهيرنا وتنظيم حركتهم النقابية والاجتماعية والسياسية ، واحدي أدوات النضال الجماهيري والقانوني دون إعلاء أو مبالغة من شأن نتائج الصندوق الانتخابي، التي كانت ومازالت محاطة بكل أسباب عدم النزاهة والتزوير ، حيث كان حزبنا ومازال يدرك أن الديمقراطية لا يمكن اختزالها في صندوق الانتخابات وحده ، فضلاً عن رؤيتنا لحدود الديمقراطية السياسية الليبرالية – والتي رغم حدودها نحتاجها في نظامنا السياسي بقوة ونناضل مع كل القوي الديمقراطية لتحقيقها – لكننا نسعي لما هو أكثر من مجرد ديمقراطية سياسية ليبرالية ، حيث نسعي ونعمل ونناضل مع الفئات والطبقات الشعبية من أجل مد هذه الديمقراطية للمجتمع كله في صورة بناء ديمقراطية المشاركة الشعبية التي تستهدف بناء المؤسسات الشعبية المنظمة للجماهير ، والتي تصنع مع نضالنا الدائم والمستمر لإقامة العدالة الاجتماعية ما نستهدفه من بناء مجتمع جديد هو مجتمع المشاركة الشعبية.

ورغم طرح حزبنا مبكراً لاستراتيجية بناء البديل الوطني الديمقراطي في مواجهة سلطة التبعية والاستبداد السياسي والفساد والقهر الاجتماعي ، والذي جسده برنامجنا العام الأول 1980 ثم برنامجنا العام الثاني لعام 1999 في شعار ” بناء مجتمع المشاركة الشعبية ” ، إلا أن ما تم تحقيقه لا يقاس بحجم الاخفاقات التي واجهتنا وواجهت حلفاءنا طوال مسيرتنا النضالية ، وقد كان الفشل في بناء تحالف ديمقراطي ثوري متماسك ، يكون قادراً علي رفع هذه الاستراتيجية إلي مستوي القدرة علي التحقيق الفعلي قبل أو بعد ثورة 25 يناير، أحد أهم أسباب فتح الطريق أمام القوي السياسية اليمينية والاستبدادية لتولي السلطة السياسية بعد ثورة 25 يناير ، تلك التي أخذت تعمل علي تثبيت أركان النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ثارت عليه الجماهير.

وقد كانت المشكلة الرئيسية لثورة 25 يناير تتمثل في افتقادها لوجود قيادة ثورية منظمة وموحدة ، تتمكن من حمل طموحات وآمال وأهداف الثورة في العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والقدرة علي تحقيقها، الأمر الذي ترك فراغاً قيادياً قامت القوي المنظمة (وهي هنا تحالف المجلس الأعلي للقوات المسلحة وتنظيم الإخوان) بملء هذا الفراغ ، والسيطرة علي مسار الثورة عبر عمليات تعديل الدستور ورفض شعار الدستور أولاً، وفتح هذا المسار الطريق أمام الإخوان للصعود إلي السلطة وسرقة الثورة .

فقد جاءت ثورة 25 يناير 2011 تعبيراً عن غضب كبير ، وانفجرت موجتها الأولي متخذة شكل المليونيات الحاشدة في ميادين مصر وفي ميدان التحرير بصفة خاصة كشكل رئيسي للاحتشاد الجماعي ، ووصلت هذه الموجة الثورية الأولي إلي أعلي سقف لها ، وربما أعلي نقطة قوة صعود وقوة دفع لها في الأيام القليلة السابقة علي مساء الجمعة 11 فبراير 2011 ، وتمكنت هذه الموجة الثورية الأولي بذلك من إحداث الآثار المختلفة لحركتها الحاشدة وتضحياتها العظيمة – في صورة أفعال وردود أفعال مناظرة لقوتها وقدرتها – والتي كان من أهمها ذلك الصمود الجبار الذي أجبر العديد من هيئات أركان النظام السابق علي دفع رأس النظام السابق إلي قبول التنحي والرحيل وترك موقعه الرئاسي ، وإلي دفن مشروع التوريث الذي كان يجري التحضير له وتنفيذه علي قدم وساق ، بعد أن كان قد أصبح قاب قوسين أو أدني من محاولة تحقيقه في ذلك الوقت.

لكن هذه الموجة الثورية نفسها ، كموجة أولي ممتدة لهذه الثورة الشعبية السلمية التي اندلعت في الخامس والعشرين من يناير ، لم تتمكن من المحافظة علي قوة الدفع الثورية الأولي التي تمكنها من الاستمرار في الصعود لأعلي ، ولم تتمكن من التقدم بخطواتها للأمام ، ولم تتمكن من المحافظة علي استمرار احتشاد حشودها المليونية والحفاظ علي وتيرتها المنتظمة ، تلك التي كانت قد تصاعدت في فترة الأيام الثماني عشر الأولي ، والتي افتقدت في مسارها التالي لمساء 11 فبراير 2011 الكثير من سماتها الثورية ، وبصفة خاصة روحها الثورية الموحدة (إيد واحدة) التي بدت ظاهرة للعيان طوال أيام الصمود في ميادين تحرير مصر ، تلك الروح التي جسدت قوة الدفع الرئيسية لصمود حشودها ، وأطلقت رغباتها الجامحة في التغيير ، وأظهرت أشواقها التي طال كبتها للعدل ، وأشواقها للحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي غابت – أو غيبت – خلف الأسلاك الشائكة للاستبداد ، والمصالح الضيقة لفئات وشبكات الطفيلية والاحتكار والفساد ، تلك الشبكات التي كانت قد أكملت سيطرتها علي حكومات النظام السابق ومؤسساته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التشريعية والتنفيذية .

ماذا جري بعد 11 فبراير ؟

في مساء 11 فبراير 2011 بدا للحشود الشبابية والشعبية في ميادين تحرير مصر أن الثورة قد نجحت ، فقد خرج اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية علي شاشات التليفزيون معلناً – في بيان مسجل – أن الرئيس محمد حسني مبارك أعلن تخليه عن منصب رئيس الجمهورية وتكليفه للمجلس الأعلي للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد .

وغرقت ميادين وشوارع مصر في إعلان مشروع للفرح ، وفي احتفالات مشروعة بالنصر ، وتصاعدت أحاسيس فخر المصريين بمصريتهم ، ورفرفت رايات الثورة مع الأنغام القديمة والجديدة للأغنيات التي تتغني بحب مصر ، وتتفاخر بالصمود والحشود وصيحات ” ارحل ” التي تمكنت من دفع رأس النظام إلي إعلان الرحيل عن سدة الحكم .

وبالفعل ، رحل رأس النظام في نهاية جمعة الرحيل ، في مساء 11 فبراير 2011، وسوف يظل ما دار في رأس مبارك ومعاونيه لحظة الرحيل سراً من الأسرار ، فهل كان يفكر أنها لحظة النهاية قد حانت ؟ أم أنها الخروج المؤقت حتي تهدأ الميادين ويكون بعدها عودة للحكم والهيلمان ؟

وعلي أرض الواقع ‘ بدا الأمر وكأن السمة الرئيسية لهذا التاريخ (11 فبراير 2011) أنه نقطة انتقال من يوتوبيا التوحد الرومانسي الثوري إلي واقع المواجهة والصدام والاستقطاب ، والانتقال من الاكتفاء بمتابعة غير راضية عن تصرفات المجلس الأعلي للقوات المسلحة إلي المواجهة والخصام ، وبدا الأمر وكأن الآلية الوحيدة المعتمدة لإتمام بقية المسار هي آلية تفكيك الموجة الثورية الأولي لثورة 25 يناير ، تلك التي وصلت إلي ذروة صعودها الثوري وتوحدها الرومانسي في مساء 11 فبراير 2011 ، لكن المسار بعد ذلك كان مختلفاً ومخيفاً، فقد اختفت منه تماما أي مظاهر لرومانسية ثورية ، وأظهرت الأيام تحولها نحو واقعية خشنة بلا قلب ، واقعية تصادم الإرادات والانفراد بقطف الثمار ، واقعية متطابقة مع قول الدكتور إبراهيم ناجي في أطلاله:

وإذا الدنيا كما نعرفها ..

وإذا الأحباب كل في طريق .

وكما فاجأت ثورة 25 يناير الجميع – من حيث التوقيت والتوجه واتساع الحشود وانتقالها من مظاهرة احتجاجية مطلبية إلي انتفاضة حاشدة واتخاذها مساراً ثورياً حاسماً للإطاحة بالسلطة والنظام – (إلا من يري أنه خطط ونظم وقاد وكان يعلم تفاصيل المخطط والمسار منذ البداية)، جاء إعلان رحيل رأس النظام في 11 فبراير سريعاً متمماً لصمود أسطوري في الميادين ، وخرج الكثير من شباب الثورة ينظفون الميادين من مخلفات المعارك ، ويلونون الحوائط والأرصفة ، فتيات وفتيان ، بنات وصبيان ، يحملون الفرش والألوان ، وكأنهم يتممون تلوين لوحة الثورة مؤكدين رومانسيتها الثورية وبراءتها ، فهل كان من الممكن أن يخطر ببالهم أنهم يودعون المرحلة الرومانسية للثورة ويسلمونها لمرحلة جديدة من الصراع الدموي والخدع السياسية والشراك المنصوبة للثوار؟

لقد اتسمت هذه المرحلة الجديدة – مرحلة ما بعد 11 فبراير – بصراع متعدد الأطراف ، بين قوي الثورة وقوي الثورة المضادة ، وبين القوي المشاركة في الثورة نفسها فيما يمثل تحولاً من ظاهرة تلاقي الإرادات الذي ظهر قبل 11 فبراير إلي ظاهرة صدام الإرادات الذي ظهر بعد 11 فبراير ، ولعل أخطر ما في صدام الإرادات هذا هو ما نسميه بتفكك القوي المشاركة في الثورة ، تلك التي تشاركت معاً وتحالفت حتي الإطاحة بمبارك ونجله وشبكته المغلقة ، ثم سارعت بعد ذلك لتفكيك هذه الشراكة وهذا التحالف ، والانتقال من حالة التوحد والعمل معاً إلي حالة السير منفردين في مسارات مختلفة ، بل متعارضة متصارعة ، فلم يكن لهذا التحول أن يتم دون صدام أو صراع اتسم أحيانا ً بالنعومة وكثيراً بالخشونة والوحشية .

وقام هذا المسار الجديد بقطع الطريق علي خط استكمال الثورة عن طريق تأسيس مسار الشرعية الثورية ، لاستكمال عمليات الهدم الثوري لبقايا أجهزة ومؤسسات النظام القديم ، والبناء الثوري لأجهزة ومؤسسات النظام الجديد ، فقد تم قطع ثم غلق الطريق أمام بناء شرعية جديدة يؤسس لها دستور جديد يعبر عن أهداف الثورة في الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وتم فتح الطريق أمام المسار الإخواني الرافض لأولوية كتابة دستور جديد يؤسس للنظام الجديد ، والذي استمر في مسار النظام القديم الداعي لإجراء تعديلات دستورية ملغومة والدخول في عمليات استفتاءات ثم انتخابات سريعة ، اسهمت في تأجيج ظواهر صراع الإرادات وصدام القوي وتفكيك قوي الثورة وإرباك المرحلة الانتقالية كلها .

فبعد أن تسلم المجلس الأعلي للقوات المسلحة عمله الجديد في إدارة المرحلة الانتقالية أصبح هو المالك الفعلي للسلطة السياسية في البلاد ، وانحاز المجلس الأعلي ، بنفسه أو عبر قطاع من مستشاريه ، الذين تمكنوا – أو مكنوا – من التواصل معه وقوي الإسلام السياسي وبالتحديد تنظيم جماعة الإخوان ، لخط التعديلات الدستورية وما ترتب عليها من مسار بعد ذلك ، فأعاد تشكيل لجنة جديدة للتعديلات الدستورية – برئاسة المستشار طارق البشري – لتعديل بعض مواد دستور 1971، وهو الأمر الذي كان قد اقترحه الرئيس الراحل قبل أن يتخلي عن منصبه في 11 فبراير ، فلماذا سار المجلس الأعلي علي نفس درب الرئيس الذي أجبرته الثورة علي الرحيل ؟ ولماذا اختار مسار تعديل بعض مواد الدستور القديم ولم يختر مسار تشكيل لجنة جديدة لكتابة دستور جديد ؟

أياً كانت الإجابة فقد التقت بسرعة مدهشة إرادات المجلس العسكري وقطاع الإسلام السياسي بتنويعاته المختلفة (وعلي رأسهم تنظيم الإخوان) حول مسار التعديلات الدستورية ، وظهر هذا التلاقي في صورة تحالف صريح – أنكره الطرفان دائماً – ضد إرادة القوي الثورية الراغبة في مسار إنجاز خط الثورة عبر البدء بكتابة دستور جديد لمصر الثورة .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق