قصة قصيرة شطر المرآة

62

بشري أبوشرار

طرقات المدينة تعرفها، تعلو بطريق، ويهبط بها طريق، تخايلها أضواء السيارات، تشرئب لتري وجهها في مرآة سيارتها، يصيبها حزن شفيف، لوجه بدا ليس لها، العين خلت من رتوش كانت ترسمها من حولها، ومكحلة لم تخرج من محبسها منذ زمن، والشعر لا تعرف له شكلا، كل يوم يظهر لها بشكل مغاير، حتي يوم ذهبت لمصفف الشعر، وقف ينظر إليها، قائلا: – أنا لم أقص لك هذه القصة!.. أدهشها حديثه، وتنصله من شكل باتت به، وهي أكدت له أنها لم تذهب لمصفف شعر سواه، عادت لذات الحركة، تكرر النظر لوجهها في مساحة مرآة صغيرة، يبدو مشطورا مرة، فتمد يدها تعدل مرآتها، فيظهر الوجه كاملا وقد علاه شحوب غريب، تهمس لنفسها:

– الحزن يكاد يقتلني، من يراني يظن أنني لم أكف البكاء دهرا كاملا، عين ذابلة، ووجه تسكنه صفرة كئيبة، لابد لي أن أذهب لمركز التسوق، أري أناسا من حولي، واجهات المحلات، قد تدخل البهجة إلي نفسي لحظة أري قميصا أو ثوبا، أو حذاء، فيدخل تجديد إلي، وأمر علي محل المثلجات، أشرب عصير الفراولة، أو البرتقال، لن أجعل ما يحدث لي أن يكسرني، ويضيعني، ويلقي بي هائمة، محطمة، علي قارعات الطرق، رجل يترك زوجته ويعيش في مساحة حجرة ضيقة علي ربوة بحرية، يبرر لها أنه يفضل حياة كهذه، صرت وحيدة ما بين يوم وليلة، أمضي في حجرات بيتي أشهد خواءها، مضي الأولاد والزوج، وصرت أنا فقط.. أنوار مركز التسوق توهج في العتمة، تتجه نحو المدخل الرئيسي، محلات عن يمين وشمال، خطوات المارين لا تكف عن الحركة، رائحة العطور، وأشكال الزينة، استوقفها محل الملابس، وعروض مغرية علي الواجهة، تمضي بين الممرات، غير آبهة بأن تواجه الناس بذات الوجه الذي رأته في مرآة سيارتها، تعرف أن وجهها سيذوب في الزحام، لم يعد أحد يتذكر أحدا، كل ماض إلي غايته، حتي زوجها لم يعد يذكر ثلاثين عاما بجوارها، مضي هو أيضا إلي غايته.

ووقفت أمام مشجب كبير معلق عليه عدد من الأثواب، ورجل مديد القامة، بجلباب، يحادث زوجته المتشحة بالسواد، لا يظهر منها سوي بؤبؤ عينين تلمعان وهي تستمع لحديثه لها، ممسكا بثوب، يقربه إليها قائلا: – كم هو جميل.

تلوذ بالصمت، يعود يكرر ويؤكد: – صدقيني سيكون جميلا عليك.

وقفت ترقب المرأة، التي لم تسمع لها صوتا، لا قبولا ولا رفضا.

عادت أدراجها، يدها علي المقود، وعين تنظر إلي علبة كرتونية يسكن فيها حذاء جديد، لم تنظر لوجه مرآتها، بل أخذها التفكير في الغد، وموعد مع أصدقاء لها، تقابلهم بأشياء جديدة اشترتها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق