مكاسب روسيا الاستراتيجية في سوريا:عودة إلي الساحة العالمية وقدم ثابتة في الشرق الأوسط

346

أعلنت روسيا لأول مرة عن عملياتها العسكرية في سوريا في 30 سبتمبر 2015 وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ذلك الوقت، إن الهدف هو مكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي. واتضح لاحقا أنها ستصبح أكبر وأطول عملية عسكرية لموسكو منذ سقوط الاتحاد السوفيتي.
يعتقد غريجوري لوكيانوف، خبير في مجلس الشئون الدولية الروسي، أن مكافحة الإرهاب كانت السبب الحقيقي في دخول روسيا الصراع، وقال لوكيانوف:” لقد كان هناك بالفعل انتصار على داعش”.
وقارن لوكيانوف الدعم العسكري الروسي لسوريا بمشاركة واشنطن العسكرية في العراق وانتهي إلى أن الأول حقق مستهدفاته بينما الثاني فشل علي كل الصعائد, وأشار إلى أنه “تم إيقاف مشروع يهدد السلامة الإقليمية للمنطقة بأكملها”، مضيفا أن سوريا كدولة لم تكن لتستمر بدون الدعم العسكري الروسي، وأن بشار الأسد لم يكن ليبقى زعيمها. وقال لوكيانوف، إن سوريا طلبت المساعدة قبل أن تبدأ روسيا عملياتها، لكنه اعترف بأن موسكو لم تتمكن من إنهاء الحرب بسرعة.
كما يعتقد ماركوس كايم، الخبير في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، أن روسيا حققت أهدافها في سوريا. لكنه يرى أسبابا أخرى لتورط موسكو في المنطقة.
“كان الهدف الأول هو عودة روسيا إلى الشرق الأوسط بعد مغادرتها المنطقة كلاعب قوي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. الآن عادت، وليس فقط في سوريا ولكن أيضا في ليبيا. لا توجد الآن طريقة للالتفاف حول روسيا”.
وكان الهدف الثاني لموسكو، وفقا لكايم، هو منع “ما كان ينظر إليه على أنه ثورة غير شرعية في حيها”، مع محاولة المعارضة السورية الإطاحة بالأسد. وأشار إلى أنه كانت هناك مخاوف خطيرة في خريف عام 2015 من سقوط نظام الأسد في غضون أسابيع.
اختبار السلاح وتمرين الجيش
وقال كايم، أرادت موسكو أن تثبت أنها قادرة على تنفيذ مثل هذه العمليات في بلد آخر غير بلدان الاتحاد السوفيتي السابق، ونجحت في القيام بذلك، كما تمكنت من تجربة واختبار أنظمة أسلحة جديدة بنجاح في هذه العملية.
وقد أكدت ذلك موسكو نفسها، التي ذكرت مرارا وتكرارا أنها تختبر أنظمة أسلحة جديدة في سوريا، بما في ذلك الجيل القادم من دبابة القتال T-14 Armata وأنظمة جديدة لسلاحها الجوي بالإضافة لقطع بحرية وأنظمة صاروخية.
وكان استعراضها للطرازات الحديثة من الميج والسوخوي هو أحد الأسباب المهمة ذات الطابع التجاري, حيث قدمت روسيا قدرات طائراتها متعددة المهام لسوق السلاح العالمي علي أكمل وجه.
كما اختربت فعالية الجيش وقدرته القتالية والذي عاني من عدم توسع نطاق عملياته وتنوعها مما جعله غير قادر علي منافسة التفوق الأمريكي بهذا الصدد.
المردود الدبلوماسي
ويعتقد الخبيران أن مشاركة موسكو العسكرية في سوريا عززت مكانتها في المنطقة.
وفقا لوكيانوف ، “وجود روسيا هناك أمر أساسي لسياستها في الشرق الأوسط وإفريقيا بأكملها. وقال: “لقد جلب علاقات جديدة مع دول أخرى في المنطقة، والتي أصبحت ترى موسكو كلاعب جديد ومؤثر. وأضاف أنه يلعب دورا في التشكيلات الدبلوماسية الجديدة ايضا، مسلطا الضوء على ما يسمى بمحادثات عملية أستانا، التي أجرت فيها روسيا مناقشات حول الوضع في سوريا مع تركيا وإيران.
رغم أن هناك مراحل من التوترات المتزايدة بين موسكو وأنقرة، وكان آخرها في بداية العام عندما تصاعد الصراع في محافظة إدلب وقتل عدد من الجنود الأتراك، تمكن الجانبان من التوصل إلى اتفاق.
ويعتقد كايم أيضا أن تدخل روسيا العسكري قد ترجم إلى نفوذ دبلوماسي في المنطقة. ووصف محادثات أستنا للسلام التي تهدف إلى إرساء النظام ما بعد الحرب بأنها “بديل فعال للجهود المماثلة داخل الأمم المتحدة”.ومع ذلك، اقتصرت المكاسب الدبلوماسية الروسية حتى الآن على الشرق الأوسط.
بينما أشار لوكيانوف، إلي أن عودة الأسطول الروسي إلي مياه البحر المتوسط علي مهمة قتالية مثل مكسبا استراتيجيا مهما بعد غياب لفترة طويلة عانت فيها روسيا من غياب نسبي في مياه البحر المتوسط.
فيما اعتقد العديد من المراقبين في بداية الصراع في سوريا أن روسيا ستكون قادرة على استخدامه لكسر عزلتها الدولية الجزئية بعد ضمها لشبه جزيرة القرم والحصول على مزايا في ساحة واحدة من خلال تقديم تنازلات في ساحة أخرى. وقال لوكيانوف إن نجاح روسيا في سوريا لم يكسبها أي نقاط في أوكرانيا أو يساعدها على تطبيع علاقتها مع الغرب ، مضيفا أن الشيء الرئيسي الذي تحقق هو إقامة علاقات جديدة مع دول منطقة الشرق الأوسط.
تكلفة الحرب وثمن المكاسب
تكاليف الحرب هي مسألة ملحة عموماً ولروسيا بالأخص. في البداية، كان الحديث في وسائل الإعلام الروسية عن 156 مليون روبل في اليوم (1.7 مليون يورو ؛ 1.99 مليون دولار). على عكس غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان في عام 1979 ، والذي تسبب في ضجة كبيرة بين الجمهور السوفيتي، لم يلق تورط موسكو في سوريا الكثير من الرفض، حيث ظلت أرقام الخسائر في صفوف القوات منخفضة نسبيا. وقال لوكيانوف:” لقد تم تعلم دروس أفغانستان”، مضيفا: “بدا الثمن مقبولا”.
لكنه قال إن التدخل العسكري في سوريا يستهلك موارد روسية كبيرة، كما أن انخفاض أسعار النفط العالمية ووباء الفيروس التاجي المستمر يقفان في طريق الانتعاش الاقتصادي في سوريا.
ووفقا لكايم، تحاول روسيا أن تزيد من انخراط الاتحاد الأوروبي في سوريا، لكنه قال إن الظروف الحالية في البلاد تمنع ذلك. وقال إن “الوضع الإنساني في سوريا لا يزال مزريا من منظور دولي وغربي إن الأعداد الكبيرة من الضحايا المدنيين التي وقعت ، تسببت في انتقاد الغرب بشدة لتورط موسكو في الصراع”.
قاعدة حميميم
يتفق الخبيران على أن روسيا لن تغادر سوريا في أي وقت قريب. وفقا لوكيانوف، إذا غادرت روسيا، فإن عددا من الاتفاقات مع الشركاء في المنطقة سوف ينهار. وفي الوقت نفسه ، كايم مقتنع بأن روسيا ترغب في البقاء متورطة عسكريا في سوريا في الوقت الحالي حيث ترى البلاد مركزا للنفوذ الروسي.
توصلت روسيا بالفعل إلى اتفاق مع الحكومة السورية للحصول على أرض بالقرب من قاعدة حميميم الجوية لقاعدة خاصة بها، بجانب القاعدة البحرية الموجودة بالفعل والتي كانت موجودة منذ الحقبة السوفيتية بالقرب من ميناء طرطوس.
روسيا تدخلت لتبقي
وفي تقرير لجريدة الفورين بوليسي، يذهب كريس ميلر الكاتب والمحلل الأمريكي إلى أن ما نجحت فيه روسيا ليس صنع السلام. فمحادثات السلام التي توسطت فيها روسيا بين الحكومة السورية ومختلف جماعات المعارضة لم تنجح ولم يكن مقدر لها النجاح ، رغم سنوات من الجهد الظاهري, ولا حتى في إنهاء القتال الذي ما زال مستمراً لا سيما في شمال شرق سوريا. “أعلن بوتين علنا أن روسيا ستنسحب من سوريا ، أولا في عام 2016 ومرة أخرى في عام 2017. لكن روسيا لم تقدم أي علامات على المغادرة”.
وأكد التقرير، أن الكرملين ليس لديه مثل هذا التناقض حول حربه في سوريا. “استراتيجية الخروج” ليست جزءاً من التفكير الاستراتيجي الروسي فيما الشرق الأوسط. لم يكن الهدف أبدا هو الفوز والمغادرة. كان الهدف هو البقاء-لجعل روسيا لاعبا رئيسيا في المنطقة، ثم للدفاع عن هذا الدور الجديد. ويرى الكرملين أن الذكرى الخامسة لتدخل روسيا في سوريا ليست وقتا للتفكير في حرب بلا نهاية، بل فرصة لنخب النجاح، والأمل في أن تستمر بالقدر الكافي حتي انجاز المهمة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق