ماجدة موريس تكتب : بين سندان الإذاعة.. ومطرقة التليفزيون

41

علي شبكات ومحطات الإذاعة.. انطلق صوت شادية الجميل والمؤثر بأغنية (أمانة عليك أمانة.. يامسافر بورسعيد)، وتوالت بعدها أغنيات التمجيد والمحبة لبورسعيد وشعبها، ولكل خط (الكنال) وبعضها لم يقدر للمستمع أن يسمعه إلا مرات قليلة جدا هي في أوقات المناسبة التي قدم خلالها، وفي ذكراها مثل أغنية أو نشيد (بورسعيد) لفريد الأطرش الفنان والمطرب الكبير الذي لم يفارقه أسلوبه الطربي في الاغاني الوطنية بكل زخرفته اللحنية التي نتذكرها جيدا حين نتذكر ما غناه للسد العالي (يا أسطي سيد.. ابني وشيد وأتعب ليالي.. ده سد عالي) لكنه هنا في (بورسعيد) يقدم أنشودة صارمة تدفع المستمع الي تذكر شهداء «المدينة الباسلة» فوراً، وبالطبع هناك أناشيد وأغنيات أخري للجميع.

بداية من عبدالوهاب وعبدالحليم إلي نجاح سلام وآخرون، لم تتوقف الإذاعات المصرية عن بثها يوم الجمعة 25 يناير الماضي في ذكري الثورة الثانية، لكنها اضطرت لبثها بعدها يومي السبت والاحد بسبب الغضب الشعبي وما تبعه من أحداث عنف طالت اكثر ما طالت شعب بورسعيد والسويس، وأضيف لها شعب الاسماعيلية في نهاية المطاف حين أعلن الرئيس محمد مرسي في خطابه مساء الأحد حظر التجول في المحافظات الثلاث.. والحقيقة أنه ربما وللمرة الاولي في تاريخ الاعلام المصري يبدو التناقض واضحا جدا بين الإذاعة والتليفزيون ليس في قدرتهما علي العمل، وانما في الشروط والظروف الجديدة التي جعلت هذا التناقض واضحا، فإذا نظرنا لأداء الإذاعة سنجده عاجزا عن التعبير عما حدث في شوارع مصر من القاهرة للمحافظات برغم الاجتهاد في إذاعات مثل (الشباب والرياضة) و(البرنامج العام) في وصف ما يحدث ولكنه ابدا لايصل إلي مستوي الصورة، إضافة الي القيود التي تكبل الإذاعيين في اختيارات متحدثين قادرين علي الإدلاء بوجهات نظر لا تعبر كلية عن «الصياغات» المحددة للاعلام الرسمي، من هنا جاء الاهتمام بمادة أخري.

كلمة السر فيها (بورسعيد) التي غني لها الشعب المصري ولبطولتها ايام عدوان 1956 علي مصر وخرجت منها قصص وروايات عن إبداع شعبها في الدفاع عن وطنه ورد المعتدين، ثم جاء زمن تهجير الناس من مدن القناة بعد النكسة واستعدادا لرد العدوان الإسرائيلي وما لاقاه أهل بورسعيد والسويس والإسماعيلية، قصص وأعمال حفظت بعض متاعبهم وآلامهم ليصل الامر بهم الي مشروع منقوص قدمه لهم مبارك هو (المدينة الحرة) بدون ان تستكمل بمصانع وخدمات بحرية ثم إغلاق المدينة الحرة واغلاق المدينة وكأنها لاتنتمي لمصر عقب الحادثة الشهيرة التي قتل فيها رجل كان يريد الوصول لمبارك ليعطيه شكوي،

في كل هذه الوقائع غيب الاعلام بكل فصائله (الصحف والإذاعة والتليفزيون) الوجه الآخر لبورسعيد، الناس وحياتهم وأرزاقهم وآرائهم، ولم نقرأ ونسمع ونر إلا ما أراده النظام بالمدينة، وكان الظلم مضاعفا في حين منعت الأحزاب الاخري غير الوطني من العمل تقريبا إلا بتصريح من أمن الدولة لا يأتي غالبا، نقاط ضوء صغيرة في جرائد معارضة – منها جريدتنا الأهالي – ومن بعض الاعلاميين لم تكف لإلقاء ضوء كاف علي الأوضاع في مدن القناة، حتي جاءت ثورة 25 يناير 2011 لتشتعل هذه المدن بداية من السويس، في خط واحد مع القاهرة، ولتصبح ثورة أهل السويس وبورسعيد ضمن أعلي نقاط التفاعل الشعبي مع الرابضين في ميدان التحرير، وحين حدثت مجزرة التراس الاهلي في بداية العام الماضي،

ونال (بورسعيد) من غضب ابناء المحافظات الأخري الكثير، خرج أهلها يدافعون عن أنفسهم ويرفضون اتهامهم بهذه الفعلة، وأعلنوا عن الموقع العشوائي الذي نما خارج المدينة وأساء اليهم المقيمون فيه والذين اعتاد رجال الحزب الوطني استخدامهم، كنت هناك مع عدد كبير من القاهريين ذهبوا إليهم في رحلة محبة دعا اليها جورج اسحاق، ورأيت وسمعت الكثير من الغضب والمعاناة والألم علي مدي سنوات، ثم الاحساس بالظلم، ولهذا فإن اعلان حكم المحكمة صباح السبت 26 الماضي في اليوم التالي للاحتفال بالثورة كان موعدا وكأنه مدبرلضرب المدينة الباسلة من جديد، فقد كان ممكنا ان يؤجل أو يقدم الايام،

كما كان ضروريا أن يؤمن اهل المدينة علي حياتهم بدلا من استعادة اتهام بشع لذكري المذبحة بأسلوب ملتبس لأنه قدم للقصاص عشرين من المنفذين وترك المحرضين والمسئولين الأمنيين ولقد رأيت مثل الملايين غيري تغطيات وافية لاحداث بورسعيد والسويس مثلما رأيت تغطيات احداث للاحتفال بالثورة في القاهرة، وأشهد أن كاميرات القناة المصرية الخاصة قامت بالمهمة جيدا سواء CBC أو «أون» أو (النهار) و (الحياة) و(التحرير) اضافة للقنوات الاخبارية الدولية مثلما BBc والعربية والجزيرة والحرة MBC مصر،

كانت بورسعيد والسويس هما من صنعتا هذا الوجود الاعلامي بسبب رد الفعل علي الحكم أولا ثم تتابعات الحدث سريعا في بورسعيد، أما في السويس فقد أثار غضب المدينة الاعلام وجاء الأداء الذي قامت به الداخلية ليزيد الامر اشتعالا، ولنقدم لنا «الصورة» الغازا صعب حلها، فتاريخ أهل بورسعيد والسويس البطولي لا يصل الي ما حدث ونقلته الكاميرات وهو الهجوم علي أقسام البوليس وحرقها، ثم أن أهل المدينة لن يصعدوا إلي أسطح بيوتهم ليضربوا انفسهم بالنار..

واخيرا ما قاله البعض منهم لبعض البرامج حول تلك (الوجوه) المسلحة التي لايعرفونها والتي ظهرت بكثرة في شوارعهم.. لم يحل «الاغراق» الاعلامي المرئي اللغز ولا هدأ من غضب شعب مدن القنال وايضا لم تستطع الاغاني والاناشيد أن تستعيد للناس هدوءها اما الذين يحكمون الآن… فقد كان الحل الوحيد لهم هو حبس الناس في البيوت بمقتضي الاحكام العرفية والحمد لله انهم لم يمنعوا الكاميرات من نقل الاحداث.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق