حسين عبدالرازق يكتب : العـــنف

57

لا جدال أن ظاهرة العنف أصبحت من الظواهر التي تثير قلق المواطن العادي في مصر، ومن باب أولي المهتمين بالشأن العام، فأي نقاش عادي أو خلاف في الرأي أو إضراب أو وقفة احتجاجية أو مظاهرة سلمية، يمكن في لحظة أن تتحول إلي اشتباك ومعركة – مسلحة أحيانا كثيرة – ويسقط جرحي وقتلي، يكفي ما حدث في أول فبراير العام الماضي وسقوط 74 قتيلا من «ألتراس أهلاوي» بعد مباراة لكرة القدم بين الأهلي والمصري في استاد بورسعيد.. مرورا بسقوط ثمانية قتلي وجرح 456 من المواطنين الذين تظاهروا في 12 من محافظات مصر «القاهرة – الإسكندرية – البحيرة – الأقصر – كفر الشيخ – الإسماعيلية – الغربية – الشرقية – السويس – المنيا – دمياط – الدقهلية».

فقد بدأت المظاهرات سلمية بعد صلاة الجمعة في الذكري الثانية لثورة 25 يناير، وفجأة ظهرت مجموعات اتجهت مباشرة للاصطدام بالشرطة ومحاولة اقتحام مقار حكومية ومحاولة حرق «المجمع العلمي وحرق مبني إداري بمحطة سكك حديد مصر وحرق بعض خيام المعتصمين بميدان التحرير»، وصولا إلي أحداث بورسعيد يوم السبت الماضي بعد صدور الحكم بإحالة أوراق 21 من المتهمين في كارثة مباراة الأهلي المصري العام الماضي إلي المفتي «أي توقع الحكم بإعدامهم»، ومحاولة أهالي المحكوم عليهم اقتحام السجن في بورسعيد وسقوط 31 قتيلا بينهم اثنان من رجال الشرطة وإصابة 283 بإصابات مختلفة بعضها إصابات خطيرة، وظهور ما سمي بـ «بلاك بلوك» الذين أطلقوا النار أمام السجن وفي شوارع بورسعيد بصورة عشوائية ومن مدافع رشاشة ومدافع محمولة علي سيارات «جرينوف»!

ويعرف د. فؤاد جمال عبدالقادر العنف بأنه «سلوك يصدره فرد أو جماعة بصورة متعمدة، صوب آخر أو آخرين، أو صوب ذاته بشكل مباشر أو غير مباشر مدفوعا بموقف الغضب أو الإحباط أو الدفاع عن الذات أو القيم الخاصة أو العامة أو الممتلكات أو الرغبة في الانتقام أو الحصول علي مكاسب معينة، يترتب عليه إلحاق أذي بدني أو مادي أو نفسي بالطرف الآخر.

وأعمال العنف تعتبر متعددة الدوافع، قد تسبب التوتر المفرط للشخص القائم بالاعتداء أو غضبه الشديد من سلوكيات صدرت عن الضحية نحوه، أو لاعتقاده بأن الضحية بمثابة عائق يحول دون بلوغه أهدافه، أو نظرا لشعور المعتدي بالإحباط أو للرغبة في الانتقام من شخص ما، وقد تكون أعمال العنف مدفوعة بأسباب أخري، منها الدفاع عن النفس والممتلكات أو الآخرين».

وللعنف أسباب معروفة، منها أسباب اقتصادية مثل الفقر والبطالة وانخفاض مستوي المعيشة، فالعاطل عن العمل – خاصة من هم في سن الشباب – والذي يعيش تحت خط الفقر ولا يجد قوت يومه أو قوت يوم أولاده وبناته والذي يعاني من انخفاض دخله الحقيقي نتيجة للارتفاعات المتوالية واليومية للأسعار، يتحول – شاء أو لم يشأ – إلي شخص متوتر يثور لأي سبب ويندفع لممارسة العنف.

كذلك فحالات الإحباط واليأس وفقدان الأمل، وتفشي العشوائيات والزحام والضوضاء والاختناقات المرورية وانتشار الزبالة مع تدني الوعي تشكل أسبابا اجتماعية ونفسية للعنف.

ويلعب الاحتقان السياسي والتيارات السياسية المتطرفة «المتشحة بالدين خاصة» وتكفير المختلفين في الرأي وتخوينهم، وانسداد أفق الحوار ومسارات التغيير، دورا في العديد من ظواهر العنف.

إذا أضفنا إلي ذلك ما نشر عن تهريب 10 ملايين قطعة سلاح من ليبيا إلي مصر بعد سقوط نظام القذافي، ووجود نصف مليون بلطجي كانوا يعملون بتنسيق مع الحزب الحاكم ووزارة الداخلية قبل الثورة ويعملون الآن في خدمة من يدفع، لأدركنا أن العنف قد تحول بالفعل من ممارسة فردية إلي ظاهرة اجتماعية خطرة، وأن مواجهتها يحتاج إلي جهود هائلة من جانب الدولة والمجتمع.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق