د. رفعت السعيد يكتب : الطبقة العاملة المصرية في غمار النضال (9)

41

وفي 6 أكتوبر 1924 صدر حكم محكمة جنايات الإسكندرية بسجن أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي متهمة إياهم في حيثيات الحكم بأنهم سعوا إلي دعوة العمال للثورة والعمل علي قلب نظام الحكم والنظام الاجتماعي بالقوة والعمل لمحو الفروق بين الطبقات وجعل السيادة للعمال وذلك بحجة أن النظام الاجتماعي الراهن فيه قسوة وظلم علي طائفة العمال، وقاموا بتحريض العمال في الفترة من أكتوبر 1922 و2 مارس 1924 بمدينة الإسكندرية علي تحريض العمال في شركة زيت إيجولين والغزل وأبي شنب بارتكاب جريمة استعمال القوة والإرهاب والتهديد والاعتداء علي حرية أصحاب الأعمال» (الأهرام 7-10-1924) ومع ذلك حاول الحزب الاستمرار في نشاط علني فتشكلت لجان لتشكيل ما أسموه حزب العمال في المنصورة وانضم إليها العديد من ممثلي التجمعات العمالية وتشكلت لجنة إدارية ضمت ممثلين عن المهن المختلفة منهم رضوان الألفي ممثلا للاسطرجية والسعيد العبدي ممثلا للجزمجية..

لكن هذه المحاولة ضربت بقسوة وقبض علي مؤسسي هذا الحزب (الأهرام 9 نوفمبر 1924)، لكن الحزب أصدر جريدة «الحساب» التي رأس تحريرها رفيق جبور متخذا اسم محمد صديق عنتر المصري وأعلنت الجريدة في 6 مارس 1925 أنها «لسان حال الطبقة العاملة المصرية ويكتب رئيس التحرير افتتاحية تقول «لأجل الطبقة العاملة «فلاحين وعمال» أنشأنا هذه الصحيفة لأجل إسماع السلطات الحاكمة وباقي الطبقات في مصر صوت هذه الطبقة البائسة المظلومة..

إن الطبقة العاملة في مصر هي أكثر الطبقات عددا وبؤسا وأقلها نصيبا من اعتناء الحكومة» ثم «وستخصص جريدتنا هذه لمجرد خدمة العمال، ولتكون صوت العمال فلا يسمع علي صفحاتها صوت آخر ولا تخدم هيئة غير هيئاتهم ولا شخصا غير أشخاصهم وأشخاص الذين يعطفون عليهم ويسعون لوصولهم إلي حقوقهم» (الحساب 6 مارس 1925) ثم طرحت الجريدة في عددها الصادر في 18 مايو 1925 مشروعا لتأسيس حزب العمال والفلاحين «وتكون هذه نهاية جريدة الحساب فقد ألغي ترخيصها، وخلال الانتخابات التي أجراها زيور تشكلت لجنة، سميت لجنة الدفاع عن حقوق العمال والفلاحين معلنة أنها مؤلفة من بعض الأشخاص الغيورين الذين يهتمون بشأن الطبقة العاملة، ودعت الناخبين إلي انتخاب المرشح الذي يلتزم بالبرنامج الذي أصدرته اللجنة» (عبدالمنعم الغزالي – تاريخ الحركة النقابية المصرية – ص133)، وفي المقابل كانت حملة لترويع العمال وحثهم علي الخضوع.

فعندما أضرب عمال النسيج في عام 1927 مطالبين بزيادة الأجور وتحسين شروط العمل كتبت مجلة الرقيب «قامت النيابة بإحالة بعض عمال نسيج الحرير بالجمالية لمحاكمتهم جنائيا نظرا لما ترتب علي الإضراب من الهياج والشروع في القتل، ويجب أن يكون مفهوما للعمال أنه قد ينال باللين ما لا ينال بالشدة، وأن الإضراب سلاح كريه ولعل إخواننا العمال يعقلون وأنهم لابد مرتدعون (10-11-1927).

ويكتب أحمد الصاوي محمد في عموده «ما قل ودل» «يجب ألا يكون العامل علي الحكومة أو مع الحكومة وألا يكون مستغلا لحساب أهواء سياسية وإذا خلص العمال حركتهم من المبادئ الخطرة فإن حركتهم تكون جديرة بالتشجيع» وتكتب مجلة كل شيء مقالات عاصفة مؤكدة أنه «لا يمكن أن يتساوي البشر مهما بذل الاشتراكيون المتطرفون من ترويج لفكرتهم الزائفة، إلا أنها لحكمة بالغة أن تكون أنت كما أنت وأنا كما أنا فالشكوي من هذا الحال لا تستند إلي شيء من الحق» (عبدالمنعم الغزالي – ص181).

ثم تكون رسائل أخري شديدة الوطأة علي قلوب وعقول العمال، فيكتب أحمد الصاوي محمد «إن أصحاب عقول الذباب وأحلام العصافير قد سولت لهم أنفسهم أمرا فجنوا علي أنفسهم وأهلهم شيئا غير قليل، وقد طالع الناس رسالة لكاتب الأهرام بمدينة الإسكندرية عن عائلة عامل في السجن ورأوا الدموع التي أراقتها المرأة المسكينة جليلة زوجة الشحات إبراهيم الذي كان عامل دريسة بالسكة الحديد بالزقازيق يعيش مع زوجته وأولاده في أمان الله، لكن سعاة الشر منبثون لسوء الحظ في كل مكان، فأصبح المفتون شيوعيا أي أن شحاتنا أصبح رفيقا للينين وزينوفييف وثرونسكي.

وأف لذلك فأي عقل يمكن أن يترك زوجته وأولاده للجوع والعري والتشرد فلنؤمل من حكومتنا الموقرة الضرب بيد من حديد علي أيدي دعاة البغي والفوضي» (الأهرام أول مايو 1925) وتحت هذه الوطأة واصلت الحركة العمالية نضالها وتواصلت إضرابات عدة مثل عمال سكة حديد الفيوم وعمال نسيج القاهرة وعمال السجاير وعمال قناة السويس وعمال ترام الإسكندرية، وتحت هذه الضغوط المتواصلة تشكلت لجنة لإعداد تشريع عمالي برئاسة عبدالرحمن باشا رضا، لكن لجنة رضا تعرضت لهجوم شديد من اتحاد الصناعات الذي اعترض من حيث المبدأ علي إصدار أي قوانين عمالية فإن كان ولابد فإنه يتعين حمايته من خطر الآراء الفقهية الهدامة، وبشروط محددة وهي: ألا ينفذ أي تشريع عمالي إلا بعد فترة يستعد خلالها أصحاب الأعمال لتنفيذه وألا يكون للتشريع أي أثر رجعي وألا تنقل نصوصه عن التشريعات العمالية الأجنبية بل يجب أن يراعي عقلية العمال المصريين والمقدرة المالية لأصحاب الأعمال» (الغزالي – ص164).

وتفشل لجنة رضا ويتواصل النضال العمالي.. وإن بصورة أخري وتحت قيادة أخري تتصدرها مجموعة جديدة يقودها رفيق جبور عبر جريدة الحساب وقنوات نضالية أخري.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق