فريدة النقاش تكتب:الجريمة الأصلية

314

قضية للمناقشة

الجريمة الأصلية

فريدة النقاش 

تتراجع بانتظام معالم الجريمة الأصلية التي ارتكبها الاستعمار والصهيونية ضد العرب حين تكاتفوا لإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين، بل إن هذه الدولة قامت على الضد تماما مما كانوا ينادون به كقيم عليا للحداثة، وعلى رأسها فصل الدين عن الدولة، وأصبح الدين اليهودي في هذه الدولة العنصرية، هو أساس القومية ويمتد هذا المنهج على استقامته بإعلان الدوائر اليمينية الحاكمة في إسرائل  إنها ـ أي الدولة ـ هي دولة اليهود وحدهم، وتنشط الحركة الصهيونية ورعاتها وممولوها في سعيهم لإقناع كل يهود العالم “للعودة ” إلى إسرائيل، ونتذكر الآن دراما الدفع بيهود الفلاشا الإثيوبيين للنزوح إلى إسرائيل، وما يلاقيه هؤلاء من أشكال للتمييز في الدولة الصهيونية باعتبارهم أقلية سوداء .

فهل يا ترى على العرب الذين أصابت حمى “التطبيع مع إسرائيل حكوماتهم الواحدة بعد الأخرى أن ينسوا هذه الجريمة الأصلية أي جريمة إنشاء دولة عنصرية على أراضيهم، ولسان حالهم يقول عفا الله عن ما سلف، أم أن علينا أن نبقى على ذاكرتنا يقظة وحية ونحن نعرف جيدا أن ما يقع على أراضينا هو آخر احتلال في العالم، وعلينا أن نواصل مقاومته لاستكمال تحرير أراضينا، سواء كان هذا الاحتلال عينيا وعسكريا، كما هو الحال في الضفة الغربية والجولان، أم قانونيا في صورة اتفاقيات ظالمة ومجحفة هي من أشد المظالم وطأة على النفوس في هذا العالم القاسي .

فرضت إسرائيل منطقها على العرب فتراجعوا في الواقع العملي عن هدفهم المتاوضع، الذي هو أساس المبادرة العربية، أي الأرض مقابل السلام، وأخذوا يتقبلون عملياً الشعار الإسرائيلي البديل، أي السلام مقابل السلام، وهكذا جرهم خصمهم التاريخي للوقوف على أرضه هو بما يعنيه هذا من عنف ومذلة .

ويبدو ظاهريا أن المسألة هي مجرد تغير في المصطلحات، ولكن التحليل الجدي لما يجري يبين لنا أن الأمر أكبر من ذلك كثيراً، إذ أن العرب أخذوا يبتعدون بسرعة فائقة عن كل ما كانوا قد اعتبروه ثوابتهم، وهم يقبلون بشروط المعتدين ويغضون الطرف عن قضيتهم الأساسية، والتي لم تعد مركزية، وهي قضية فلسطين، بل إن تدهور الحال بنا نحن العرب وصل إلى حد ارتفاع أصوات تهاجم الفلسطينيين وتعتبر إسرائيل دولة متحضرة وجديرة بالاحترام على اعتبار أن إسرائيل هي البوابة الملكية إلى أمريكا .

وسوف نجد مثلا ونموذجا في الطريقة المهينة التي جرى عبرها رفع اسم “السودان” من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو الإجراء الذي رهن الأمريكيون تنفيذه بتطبيع علاقات السودان مع إسرائيل .

ولعلنا نتوافق على أن مصطلح التطبيع هو في حد ذاته مصطلح مراوغ ومضلل، لأنه يعني ضمنيا أن مقاطعة العرب التاريخية لإسرائيل منذ نشأتها لم تكن شيئاً طبيعيا، ويصبح الطبيعي ـ إذن ـ هو قبول المظلومين، والذين جرى الاعتداء عليهم بهذا الظلم والعدوان، باعتبار ذلك هو الوضع الطبيعي، وهكذا نعود نحن جميعاً إلى الوضع الطبيعي، حين نتصالح مع اسرائيل ونغض الطرف عن حقوقنا المشروعة.

نتساءل كثيرا عن طبيعة الروايات التي تستقر في أذهان الأجيال الجديدة حول الصراع العربي ـ الاسرائيلي فهل ياترى يعرفون القصة الحقيقية منذ ما قبل وعد ” بلفور ” الذي طالما تعلم جيلنا أنه وعد يفتقر إلى الشرعية والأخلاق لأن” من لا يملك يعطي لمن لا يستحق ” طبقا لهذا الوعد .

تقتضي المعرفة الحقيقية لطبيعة وعي الأجيال الجديدة بهذه القضية المحورية للعرب رغم كل ما حل بها، أي قضية فلسطين تقتضي أن نقوم بعملية جرد شاملة ونزيهة لكل ما تتعلمه هذه الأجيال في المدارس وفي الإعلام وعلى وسائل التواصل الإجتماعي ثم داخل الأسرة .

فعلى ما أظن أن هذه الطريقة ستكون في شموليتها ونزاهتها هي الطريق للتعرف على وعي هذه الأجيال والاطمئنان بالتالي إلى أننا ومهما طال الزمن لن ننسى أن جريمة أصلية، هي أم الجرائم الكبرى التي جرى ارتكابها ضد العرب لاتزال قائمة ومتجسدة في دولة الاحتلال .

ولذلك كله نحن مطالبون بأن نرد الاعتبار إلى المقاومة، التي نعرف جيدا أن طبيعتها قد تغيرت بتغير الظروف وبدخول معطيات جديدة على الأرض وأبرزها ـ ربما يكون ـ التمزق العربي، والذي كان من أبرز تداعيات الهزيمة التي تحول بمقتضاها صراع العرب ضد الدولة العنصرية المعتدية إلى احتراب فيما بينهم وصراعات جانبية حلت محل الصراع الرئيسي .

أكاد أسمع صوت القائلين أن هذا ليس زمن المقاومة المسلحة، وأتفق كلية مع هذا الموقف وأعرف أن المقاومة أرحب وأوسع مدى من الصراع المسلح، ولكننا ـ نحن العرب ـ على ما يبدو اختزلنا المقاومة في هذا الصراع المسلح الذي نحاه العصر جانبا، ولم نستخدم بقية ما نملكه من أدوات وطاقات، ولم نعد نذكر العالم بالجريمة الأصلية بينما تنخرط إسرائيل في بناء نفسها كدولة عصرية متقدمة تتطلع إلى الهيمنة في المستقبل على المنطقة كلها، وهو ما سوف يحدث إذا لم ننتبه ونعد العدة لصراع حضاري شامل اعتمادا على ما نملكه من إمكانيات وطاقات .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق