“مثل رتينة كلوب قديمة” قصة قصيرة لـ” حاتم رضوان”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

246

قصة قصيرة

     مثل رتينة كلوب قديمة

 *حاتم رضوان

يقسم كل من حضر: أعتمت السماء وشمس الصيف في منتصفها.

عم حسين خادم المسجد يمسك بأجنة حديدية ، يحاول بعزيمة رجل عجوز ـــــــــ عامر القلب بالأيمان ـــــــــ فتح باب الغرفة الملحقة بأطلال الجامع القديم ، تتناثر حكايات  بين الواقفين ، ورثها الأحفاد عن الآباء والأجداد عن كرامات ونوادر بطلها الشيخ منصور الولي الراقد داخل الغرفة المغلقة على جثمانه منذ قرن من الزمان أو يزيد.

وقف العشرات من أهالي وسط المدينة أمام الباب الخشبي الضخم الموصد بعرقين متصالبين من الخشب. رفعوا لافتات منددة ورددوا هتافات نارية تشجب قرار اغلاق الجامع ، واتهموا مديرية الأوقاف بالتواطؤ والتخاذل ، وطالبوا باتخاذ موقف حازم من أجل إعادة فتح الجامع أمام المصلين خصوصا مع اقتراب قدوم شهر رمضان.

للمرة الأولى ينقطع الآذان من أعلى مئذنة الجامع القديم وتتوقف فيه شعائر إقامة الصلاة. صدر قرار من الإدارة الهندسية التابع لمجلس المدينة بالغلق الإداري للجامع والمضيفة التابعة له لخطورتهما الداهمة على الأرواح .

قامت جمعية الزكاة الأهلية ببناء عدد من العيادات الخيرية أعلى سطح الجامع مما أضر بأساساتة ومبانيه. ظهرت شروخ طولية وعرضية ، أخذت تتسع بانتظام بحوائط الجامع وتصدع جزء كبير من السقف وحدث ميل في مئذنة الجامع ، راح يتزايد يوما عن يوم . واجه المحافظ الذى وصل من لحظات قليلة جمهور المتظاهرين وأكد لهم أنه مسئول عن روح كل مواطن ليس فقط في هذه المدينة بل في محافظته من أقصاها إلى أقصاها.

ناشد الأهالي المحافظ اتخاذ اللازم نحو ترميم مباني الجامع الأثري الذي يعد من أهم وأجمل معالم المدينة وإعادة منشآته المعمارية المميزة وتكلم مندوب عن ورثة الشيخ منصور قائلا أن تكلفة إعادة البناء تفوق إمكاناتهم المادية. هنا تعهد أعيان وتجار وكبراء المدينة ومعهم الأهالي بأنهم قادرون على إعادة البناء على نفقتهم الخاصة دون تحميل المحافظة أو وزارة الأوقاف أي أعباء مالية. وأوصوا بفتح صندوق لتلقي التبرعات التي فاقت في أيام قليلة كل التصورات.

قام ونش ضخم من تلك الأوناش التي تستخدم في بناء الأبراج بإنزال الهلال النحاسي الضخم الذي يزن أكثر من طن من أعلى مئذنة الجامع وجرت إجراءات الهدم وتم رفع الأنقاض بصورة سريعة ، ولم يستطع الرسم الهندسي للجامع الجديد من تفادي الغرفة المدفون بها جثمان الشيخ منصور الولي والواقعة بين الجامع والمضيفة وكان لزاما فتح الغرفة ونقل رفات الشيخ لمدفن مؤقت حتى يتم إعادة بناء الجامع وبناء مدفن جديد خاص بالشيخ.

حانت لحظة فتح الغرفة وتجمع حشد من الأهالي رجال ونساء وأطفال. أمسك عم حسين خادم الجامع بأجنة حديدية في محاولة مستميتة لتكسير الحائط حول محيط باب الغرفة المستعصي على الفتح وكأن الشيخ يأبى الخروج وترك غرفة رقوده الأبدي.

تحدث الأهالي عن روح الشيخ منصور الطاهرة التي تحلق فوقهم في أرجاء مدينتهم تحرسها من الشرور المحدقة بها وتحمي أهلها من كل سوء. الدوامة التي كادت تبتلع مروان السخن وهو يستحم في النيل واليد الممدودة التي انتشلته إلى الشط. الوجه الوضيئ تحيطه هالة من نور يطلع في الليالي الحالكة. اليد المباركة ، الممسكة بعصا كلما رفعها الشيخ أضاءت كالسراج،  يهدي السائرين  في الطرقات المظلمة على أطراف المدينة. حكى أحد شيوخ المدينة أنه رأى بأم عينه وأثناء تشيع جنازة الشيخ منصور الولي طائرا غريبا لم يشاهد طائرا على هيئته من قبل يدخل نعش الشيخ ولم يخرج منه. تناثرت حكايات وحكايات ولم تنقطع إلا مع صوت صرير قوي أحدثه فتح الباب المغلق. علت سحابة من غبار كثيف ــــــــ أعمت عيون من حولها ـــــــــ ما لبثت أن هبطت ببطء لتسمح بالضوء الشحيح للشمس المتوارية خلف سحابة عابرة بالتسلل لداخل الغرفة المظلمة،  ولنسمع نحن الواقفون بالخلف صيحات تهليل وتكبير وكلمات تعجب وصلت إلينا من الصفوف الأولى، وليعلو بعدها لغط مبهم وتدور أسئلة استفهام بين الحضور. تدافع الناس نحو الباب المفتوح كل منهم يحاول أن يشاهد المعجزة الممدة داخل الغرفة. الشيخ منصور الولي ملتف في كفنه الذي حال لونه إلى الإصفرار وكأنه لم يمس على نفس هيئته التي دفن عليها من قرابة قرن من الزمان

وفي لحظة فارقة كادت تلامس فيها يد عم حسين خادم المسجد ــــــــ عامر القلب بالإيمان ـــــــ يساعده بعض الشباب المتطوع ــــــــ الرفات الممدد في طمأنينة ، لتحمله إلى مدفنه المؤقت ، إنهار الكفن بودرة صفراء مثل رتينة كلوب قديمة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق