EBE_Auto_Loan

محمود دوير يكتب:”لماذا تركت الحصان وحيدًا؟”

332

فى مايو 2003 كان الزحام شديدا وكانت الإسكندرية تتصبب عرقا من زحام المصيفين، الذى بدأ مبكرا عن كل عام.. وكانت مكتبتها العريقة تتزين والبحر يطلق ضحكاته الساحرة وموجه يعزف نغما فرحا بضيفه العائد من بلاد الحلم وحلم الأوطان.
كنت وبعض الأصدقاء قد عزمنا ألا تفوتنا فرصة وجود “محمود درويش” الذى كان ومازال يمثل لدينا حالة عشق صوفى لا توازيها أخرى.
كانت الإسكندرية تحتفى به كما يليق بشاعر بهذا الحجم وتلك القيمة وكان الفنان على الحجار والملحن محمد عزت يعزفان لحن درويشى كامل الدسم.
وكنا فى قاعة المكتبة تشرئب اعناقنا شغفا بهذا الوجد وتلك الحالة المدهشة.
تلى “درويش” بعض من قصائده وغنى الحجار وعزف عزت وحاصرتنا كلمات الترحيب وقصائد بعض شعراء الثغر.. كان بداخلنا صرخة مبكوتة “دعوه ينشد ما تيسير به كل الوقت يا سادة”
كان المناضل “ياسر عرفات” الرئيس الفلسطينى (1929 ــــ 2004) محاصرا فى رام الله رغم – السلام – وكنت بعد كل قصيدة يشدو بها أجاهد نفسى واكتم صرختى بالمطالبه بسماع “لماذ تركت الحصان وحيدا؟”.
لكن الصرخة ظلت مكتومة حبيسة حتى انتهت الأمسية وبدأ الحضور فى ترك القاعة انتظارا لمصافحة “درويش” والتقاط الصور التذكارية.
كان البهو مزدحما والكاميرات تضىء مبتسمة ترحيبا وبهجة بالضيف الكبير وكنت أرقب لحظة هدوء بحثا عن إلقاء سؤالى الحبيس.. لماذا ترك الحصان وحيدا يا سيدى؟ وماذا بعد؟.
وتمكنت من اختطاف لحظة وسط زحام الصور التذكارية وكان الرد صامتا بليغا فقد لمعت عينه وابتسم ابسامة يشوبها الحزن على رفيق دربة المحاصر ومحنة الوضع العربى.
كان درويش، قد أجاب على سؤال بابتسامة وترك شابا صغيرا مثلى – حينها – يفسر كما يشاء وغاب هو فى زحام المضيفين وغبت أنا فى اتجاه أسئلة بلا نهاية وبلا أجوبة.
حول تلك العلاقة المعقدة والمركبة بين السياسى والمثقف.. بين الممكن وبين الحلم.. بين أمنيات الشاعر والمثقف واستشرافه للمستقبل وبين دواعى برجماتيه حاكمة ومسيطرة على السياسة.
أسئلة تبدو مربكة لعقل يتكون ووجدان مشتعل بالحلم والمغامرة.

كانت العلاقة بين “عرفات “و”درويش ” تستحق التأمل والقراءة وتسفذنى دوما للبحث عن تفاصيل صداقة العمر والدرب التى هزمتها اختيارات السياسة وتباين الرؤية وأولويات النضال فى لحظة حرجة من لحظات الحق الفلسيطينى المسلوب.
جمعت بينهما جدلية نادرة واستثنائية فقد صاغ “عرفات” ورفاقه شكل الهوية السياسية الفلسيطينية بينما يرجع كثير من الفضل للشاعر “محمود درويش” فى صياغة الهوية الثقافيه الفلسطينية وتقديم القضيه للعالم بشكل يعكس تكاملا واضحا فيما بينها – على الرغم من اختلاف مرجعية كل منهما الفكرية فعرفات كان ذو مرجعية قومية بينما تمسك درويش بمرجعيته الماركسية طوال الوقت.
كانت اللقاء الحقيقى بينهما لكن الموعد الحقيقي بينهما فى عام 1973 عند انتقال درويش من القاهرة للاستقرار في بيروت، سنة 1973 وعمل درويش رئيساً لتحرير مجلة “شئون فلسطينية” وأصبح مديراً لمركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، بتكليف مباشر من ياسر عرفات.
فى عام 1974 أسند عرفات لدرويش مهمة كتابة أول خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة،” لقد جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية ثائر.. فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي»
ظهر الخلاف الأول فيما بينهما عام 1977، بعد أن نشر مركزه مقالةً كتبها صديقه إلياس خوري، منتقداً فيها ممارسات المنظمة، ما أغضب عرفات الذي قام بإرسال قوة أمنية لتداهم مركز الأبحاث للقبض على خوري مما دفع درويش للاستقالة من رئاسة مركز الأبحاث ويرحل إلى باريس وتستمر القطيعة ثلاث سنوات تنهيها وساطات عديدة ويعود إلى بيروت ويؤسس مجلة «الكرمل».
وتم انتخاب محمود درويش عضواً في منظمة التحرير غيابياً، مخالفاً قوانين المنظمة التي تفرض حضور المرشح، ثم اعتمده مستشاراً خاصاً له، وهو ما يعكس مكانة وأهمية درويش لدى عرفات
وفى عام 1993 كانت القطيعة القطيعة بينهما بعد توقيع عرفات اتفاقية أوسلو. طلب درويش من عرفات قبول استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير رافضاً أن يتولى منصب وزير الثقافة الذي اقترحه عليه عرفات.
وفى عام 1995 كتب قصيدة الشهيرة “لماذا تركت الحصان وحيدًا” وكأنها رسالة عتاب لصديقه ورفيق دربه وقائد الثورة – الحلم.
أوجعت القصيدة كل مهموم بالقضية وآلمت عرفات الذى أكمل مسيرة التفاوض بحثا عن حلم الدولة وتحقيق الحق الفلسيطنى لكن درويش ظل يحب عرفات وظل مخلصا لقضيته رغم انخراطه الكامل فى العمل الأدبى ومشروعه الشعرى.
رحل “عرفات” فى نوفمبر2004 وبعد عام من لقاء درويش بجمهور مكتبة الإسكندرية. رحل المناضل والثائر الذى أنهكته المعارك وخذلته الشرعية الدولية وقتله العجز العربى قبل أن يقتله السم.
وبعد أربع سنوات يرحل “درويش” وكانت الإجابة قد وصلتنى عبر ذلك المسار الذى اختاره السياسى وعارضه الشاعر والمثقف .

 

التعليقات متوقفه