محمود دوير يكتب: التطبيع الثقافى ..جدار الوعى العام …. هل تصدع ؟

358

*بقلم  محمود دوير:

رغم مرور 43 عاما على زيارة الرئيس أنور السادات – المفاجئة – لإسرائيل فى نوفمبر 1977 وما تلاها من خطوات نحو إبرام معاهده “كامب ديفيد “و التى انهت حالة الحرب بين مصر واسرائيل بشكل رسمى .

رغم تلك الخطوة فقد ظل ملف التطبيع الثقافى بين البلدين عصيا على الدولة العبرية التى سعت بكل قوة لتحقيق مكاسب على تلك الجبهة التى بدت منذ اللحظة الأولى متماسكة حصينة ضد الإختراق سوى فى بعض الحالات الفردية التى تظهر بين الحين والآخر .

ويبدو ملف التطبيع الثقافى  بما يمثله للدولة العبرية  من أهمية قصوى للدولة العربية خاصة مع مصر فهى الدولة الأكبر عربيا والأكثر تأثيرها ثقافيا وفكريا فى المحيط اللإقليميى وهى أيضا الدولة التى حققت أول انتصار عسكرى فى حرب على الكيان الصهيونى بالإضافة إلى أن مصر هى أول دولة عربية تخطو نحو إبرام اتفاقيه سلام رسمية مع الدولة العبرية كل ذلك وغيره من عوامل تجعل من التطبيع الثقافى حلما اسرائيليا دائما فهو القادر على فك عزلتها الإقليمية وتغيير الصورة الذهنية لدى الشعوب العربية لتصبح أكثر ايجابية لدى الأجيال المقبلة ويُمكن اسرائيل من التفاعل والتأثير ثقافيا وفكريا فى المنطقة العربية

أدركت النخبة الثقافية المصرية مبكرا خطوة وأهمية سلاح المقاطعة الثقافية بعد أن خذلتها السياسة ووقعت “كامب ديفيد ” .

نجح المثقفون والفنانون المصريون خلال ما يقرب من نصف قرن من التصدي لكل المحاولات الفردية فى اختراق جدار المقاطعة المنيع .

هذا الجدار الذى شكلته النقابات المهنية والعمالية وكل النقابات الفنية المكونة للإتحاد العام للنقابات الفنية ويضم كل النقابات الفنية المتنوعة وكان فى القلب من تلك الحالة المتماسكة قوى واحزاب سياسية على رأسها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى الذى خاض ومازال يخوض المعركة فى صفوف القوى الوطنية الرافضة للتطبيع بكل أشكاله واحتضنت مقراته مئات الفعاليات المناهضة للتطبيع

عندما وقعت القيادة الفلسطينية اتفاقية أوسلو فى سبتمبر 1993 حاول عرابى التطبيع الثقافى استغلال هذا الحدث والضغط على جماعة المثقفين بدعوى أن أصحاب القضية الأصلية أبرموا اتفاقات سلام مع الدولة العبرية .

لكن الوعى الجمعى لجدار مناهضة التطبيع كان يقظا لتلك المحاولات وتمكن من اجهاضها وفعلت النقابات والأحزاب المكونة لهذا الجدار عقوبات رادعة ضد كل من سعى لإختراف الصفوف المتماسكة

لم  تكن العقوبات النقابية فقط هى مصير كل الذين اتخذوا مواقف فردية مخالفة لقرارات حظر التطبيع بل امتد الأمر لفضح هؤلاء وممارساتهم المخالفة والمضرة بالموقف الثابت والمبدئى الرافض لأى شكل من أشكال التطبيع الشعبى قبل استعاده كل الأراضى العربية المحتلة  فى يونيو 1967

تعرض الكاتب “على سالم ” لعقوبات قاسية عقب زيارته لاسرائيل عام 1994 كما تعرض الكاتب “حسين سراج ” رئيس تحرير أكتوبر الأسبق لعقوبة من نقاية الصحفيين  فى 2010 بعد زياته تل أبيب

كما تعرض “توفيق عكاشة ” للفصل من البرلمان فى جلسة واحدة  وكان السبب المعلن هو لقاءه  السفير الإسرائيلي بالقاهرة حاييم كورن في منزله، كاشفة عن أن “عكاشة” طالب بلقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للحديث معه حول التوصل للتسوية فيما يتعلق بالسلام مع الفلسطينيين !!

ولم تكن هذه هى كل الحالات التى تعرض خلالها مثقفون وكتاب لعقوبات من جانب نقاباتهم أو المؤسسات التابعين لها .

وعبر هذا التاريخ الممتد فقد حرصت المهرجانات والمؤتمرات الفنية والثقافية على تفعيل قرار حظر التطبيع وخاض الراحل “سعد الدين وهبة ”  (1925- 1997) فى كل المواقع التى شغلها سواء أثناء رئاسته لإتحاد الفنانين العرب أو اتحاد الكتاب أو مهرجان القاهرة السينمائى الذى خاض “وهبة ” خلاله معركة طويلة وممتدة وقاوم ضغوطا هائلة لمشاركة أفلام اسرائيلية أو يشارك فيها إسرائيليون وتمكن “وهبة ” من حماية المهرجان من أى اختراق صهيونى  وكان يستند فى موقفه هذا إلى قرارات صدرت عن النقابات الفنية المصرية والعربية

نذكر ذلك ونحن نتابع خلال الفترة الأخيرة هرولة عدد كبير من الدول العربية نحو التطبيع مع اسرائيل والذى لم يكتف بالتطبيع السياسي بل امتد وبشكل لافت إلى تطبيع شعبى ( اقتصادى – ثقافى – تكنولوجى )

كما أن جدار الحظر الثقافى المصرى ضد التطبيع يتعرض لهجوم حاد وعنيف وتراجعت قوة القضية النقابية عن ذى قبل ومن ثم غاب الردع وانعدمت المسائلة

فقد شهد مهرجان الجونة فى دورته الرابعة أزمة حادة بسبب اصرار إدارة المهرجان على تكريم الممثل الفرنسى جيرار ديبارديو” المعروف عنه من ميول ودعم لإسرائيل ومواقفه المعارضة للحقوق الفلسطينية وتجاهل إدارة المهرجان موقف لاتحاد العام للنقابات الفنية المصرية الذى أعلن عن مقاطعة أعمال المهرجان ودعى الفنانين للمقاطعة.

لكن أحدا لم يستجب بل ساد التجاهل بشكل مثير للدهشة حتى من جانب سينمائيين نعرف عنهم مواقفهم الرافضة للتطبيع مثل “خالد الصاوى ” الذى كرمته إدارة المهرجان .

واللافت للنظر هو موقف ناقد فنى شهير يطالعنا فى مقال يطالب بإعادة نظر النقابات المهنية فى قرار حظر التطبيع  بدعوى أن الواقع قد شهد متغيرات متناسيا أن النقابات المهنية – جميعها – تعيد التصويت على قرار حظر التطبيع مع اسرائيل مع انعقاد كل جمعية عمومية لها .

الموقف الأخير الذى أثار جدلا واسعا هو احتفاء الإعلام الإسرائيلى بالصورة التى جمعت الممثل “محمد رمضان ” مع المطرب الإسرائيلى ” عمومير آدام ” خلال تواجدهما فى دبى مؤخرا .

الغريب فى الأمر كان رد فعل محمد رمضان الذى تجاهل الهجوم الحاد عليه بسبب الصورة ورد قائلا ” مفيش مجال أسال كل واحد عن جنسيته ودينه ” .

هل تراخت النقابات المهنية فى تفعيل قراراتها ومعاقبة من يخالفها أم أن العقوبات تختار أصحابها ومدى نفوذهم الإعلامي والفنى ؟

لم يبق لنا سوى سلاح المقاطعة الثقافى بعد أن فقدنا كل أسلحة المقاومة تجاه العدو الصهيونى وهذا السلاح ليس بالهين فهو يساوى وجدان الشعوب العربية وهويتها وقبلتها الثقافية ومستقبل انجازات أجيالها القادمة …

وسنواصل الحديث عن هذا الملف المهم

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق