بين مخيلة المبدع وعقلية التاجر :حين يتحول المبدعون إلى ناشرين

260

في الفترة الأخيرة تحول بعض المبدعين إلى ناشرين من خلال تأسيسهم عدد من دور النشر التي تهتم بنشر الأعمال الإبداعية والفكرية في مختلف نواحيها .

وهنا يطرح السؤال هل تتغير نظرة المبدع إذا أصبح ناشراً وهل تختلف عن نظرة الناشر العادي ؟

وما المعايير التي يعتمد عليها ” المبدع ” في اختاراته للكتب التي يعمل على نشرها؟

يقول الشاعر فارس خضر صاحب دار الأدهم ، فكرة تأسيس دار نشر ليست طارئة على فهي حلم مختزل منذ عشرين عاماً ، فأي مبدع حقيقي يحلم بأن يكون منتجاً للثقافة ، وليس مجرد مشارك في الإنتاج المعرفي .

فالإبداع مشاركة وإنتاج أيضاً ، المبدع الحقيقي هو صانع لأحلام كبرى ، ودائماً عنده طموحات في كيفية خروج الكتاب في صيغته النهائية .

وأن يكون يكون مشاركا بشكل فاعل في أن يخرج الكتاب بعناوين مختلفة وبغلاف جديد.

أما عن فكرة اختيار العمل المنشور فترتبط دائماً بوعي الناشر ومجمل أفكاره ، وعي الناشر هو ” وعي التاجر ” فهنا تكمن الكارثة ، فسيكون إنتاجه يجمع بين ” الغث ” و” الثمين ” وقد تكون فرصة الكتاب الضعيف أقوى في المبيعات لما يحمله من عناوين فجة تدغدغ مشاعر القارئ .

احترام الآخر

ويؤكد المترجم د. طلعت شاهين ـ مؤسس دار سنابل ـ على أن نظرة المبدع تختلف إذا كان ناشراً عن الناشر العادي .

وبالنسبة لي في تجربتي مع دار ” سنابل ” فقد حاولت بقدر الإمكان أن يكون ما يصدر عن الدار على مستوى فني معين سواء في القصة أو الشعر أو الرواية أو الدراسات النقدية ، وهذا عرضنى لمواقف كثيرة مع المبدعين ، لأن أي مبدع حتى لو كان مبتدئاً يرى في نفسه أعظم مبدع في العالم ، فحين أعطيه رأيي وإن كان مخالفاً لنظرته يثور لأنه لا يظن المسألة متعلقة بالنشر .

وقد رفضت عدة أعمال وتحججت هروباً من ثورة أصحابها بأنها مخالفة لأيديولوجيتي الفكرية .

ومع ذلك نشرت كتباً كثيرة لمن يخالفونني في التوجه الإبداعي والفكري ، نظراً لوصول هذه الأعمال إلى قيم فنية وجمالية رفيعة .

فالمسألة تتعلق في الأساس بفكرة الجودة ، وعندما تكون ناشرا عادياً فأنت لا تتعرض للنقد من المثقفين ، فكثير ممن يتعاملون معك يعتبرون أن ما تنشره هو جزءا من توجهك الإبداعي والفكري .

ويري د. شاهين أن مشروع النشر هو مشروع تجاري لكنه ذو طبيعة خاصة ، فأنت تضع رأس مال يحقق على الأقل اكتفاءه الذاتي ، فهناك كتب تحقق مبيعات بغض النظر عن مستواها .

أنت مطالب بنشرها مثل الكتب السياسية والدينية والفكرية .

أما الإبداع فعادة لا يحقق المبيعات المرجوة ، والناشر الحقيقي سواء كان مبدعاً أو غير ذلك عليه أن يستطيع تغطية العجز الناتج عن حصيلة الكتب الإبداعية لأن عنده مصروفات ومرتبات عاملين هو مطالب بالوفاء بها .

تجارب مختلفة

ويؤكد الشاعر إسلام عبد المعطي صاحب دار ” روافد ” أنه ليس بالضرورة أن يكون الناشر مبدعاً لكي يكون ناشراً جيداً ، فليس بالضرورة أن تكون اختياراته جيدة.

ويضيف عبد المعطي قائلا : أتصور ان الموضوع لا يتعلق بالإبداع بقدر ما هو متعلق بطريقة التفكير ووجود تصور حقيقي لعملية النشر لمن يتصدى لها .

أما الذي يضيفه كون الناشر له علاقة بالإبداع فهي علاقته بالمبدعين وطريقة التعامل معهم .

وأظن أن التجارب الناجحة في النشر لم تكن لمبدعين ناشرين .

ربما تكون تجارب لمثقفين أو أصحاب منهج فكري وليس بالضرورة أن يكونوا مبدعين.

أما محمد البعلي ـ مدير دار صفصافة ـ فيقول اعتمد كناشر في تجربتي على الخلفية الثقافية ، وشبكة العلاقات في الوسط الثقافي ، فبالتأكيد حين أكون مثقفاً مدافعاً عن مدنية الدولة فستكون اختياراتي في هذا الاتجاه .

وإن كنت مهتماً بالإبداع الجديد فسيكون ما أنشره من إبداع مقارباً لهذه الرؤية .

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق