مينا كرم يكتب :المثقف والسُلطة والبسطاء

354

بقلم : مينا كرم

ماذا ينتفع المثقف اذا كسب رضا الأنظمة بجوائزها التقديرية والتشجيعية ومناصبها البرلمانية و الادارية وخسر نفسه وخان البسطاء ؟!”

علاقة جدلية محتدمة دائماً بين المثقف والسلطة والشعب, ما بين الصدام والمواجهة في أعلي مراحلها بين المثقف والأشتباك الدامي مع السلطة لصالح الشعب وبين خيانة الأفكار وبيع الكلمات لخدمة النظام في أبخس صورها علي جثث الشعب وبين ما يتبقي من أغلب المثقفين في المنتصف في حالة لا سلم ولا حرب مع السلطة !!.

والسلطة هنا لا تعني فقط النظام السياسي الحاكم وحكومته وقراراته القمعية في كثير من الأحيان ولكنها تعني أيضا السلطة الدينية وما تحمله من قيود وثوابت الأختلاف معها يعني الاختلاف مع الله ذاته , وسلطة المجتمع وما تفرضه من عادات وتقاليد تتنافي مع أبسط قواعد التنوير والثقافة .

وهنا يتبادر السؤال الأهم في هذه الاشكالية : متي ينحاز المثقف لصفوف البسطاء ؟ ومتي يخونهم ؟

يقول المفكر الكبير ادوارد سعيد في كتابه ” المثقف والسلطة ” : ” ان المثقف هو موقف نبيل وشريف يثير الأعتراض بل وحتي الأمتعاض ويحترق حتي يحدث التغيير المنشود ” وهو في هذا لا يحابي المجتمع ولا يجامل الانظمة الحاكمة ويكون موقف ثابت قوي لا يستطيع أحد أن يستوعبه أو يوجهه بل دائماً ما يهتم بطرح الاسئلة المُحرمة التي لا يقترب منها أحد ويحطم تابوهات الصمت المغلقة في مجتمعاتنا المتعلقة بالسياسة أو الجنس او الدين , فالمثقف الحقيقي لا يخشي معتقل او تضييق أمني او تعقب نظام حاكم يرفض الأختلاف ويقمع المعارضة ولا يهاب حرمان ديني وكهنوتي متجبر أصولي النزعة يتظاهر بالتطور وهو بعيد كل البعد عنه ويتحمل فاتورة ضريبة الاختلاف مع أفكار مجتمع رجعي يهمشه ويطلب رجمه كل يوم بصدر رحب دون أن يسخر منهم ولو لحظة ويصطف معم وأن رذلوه !!

المثقف الحقيقي يكون مبرر وجوده تمثيل كل تلك الفئات من الناس خاصة المهمشين منهم وكل القضايا خاصة تلك التي وضعوها في طي النسيان عمداً وقاموا بالهاء الناس بعيدأً عنها في بطانة فستان ومباراة كرة وفيديو ذات طابع فضائحي , يراهن علي الناس دائماً وعملية االتغيير الفكري التراكمي التي من الممكن ان تأخذ سنوات وسنوات وربما لا يري ثمارها في حياته , لا يستسلم لبركان الغضب بداخله وبدلا من ان يحرقه بجاهد لتحويلها لطاقة كتابة وتبادل افكار وتنوير .

المثقف الحقيقي لا يصمت لأن صمته خيانة , ولا يختبئ لأن قدره الاشتباك , ولا يتحول أو يتلون لأنه وجه الحقيقة الصامد ابدا , يحترق ويموت كل يوم ويظل وجهه مطلا من قبره متسائلا بكل الاسئلة المحرمة !!.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق