فريدة النقاش تكتب : عري النظام

16

يبذل الفنانون جهوداً خارقة كي يتوصلوا إلي تخليق رمز يستجيب له الناس ويعترفون به عنوانا علي مرحلة ما أو قضية ما. ونادراً ما تقدم ممارسات نظام حكم عملا يصبح هو في حد ذاته رمزا لها يتداوله الناس كعلامة مميزة لهذا النظام في فترة تاريخية غالبا ما تشهد أحداثا درامية برائحة التراجيديا كما هو الحال في المرحلة التي نعيشها من حكم الإسلام السياسي الذي قدم لنا الرمز جاهزا ومصورا ومعروضا علي العالمين.

وإلتقط الفنان العبقري «عمرو سليم» ذلك الرمز وحوله إلي قطعة من الفن الجميل عن عري النظام القائم وهو العري الذي يحتمل تأويلات شتي بعد أن قام بعض رجال الشرطة بتعرية مواطن وسحله جهارا نهارا ليشهد العالم كله فضيحة هذا النظام الذي لم يعرِّ الرجل الذي لا حيلة له فحسب وإنما عري نفسه، وظهر علي حقيقته مجردا من الانسانية ومن الأخلاق ومن الدين الذي يتاجر به. وزاد الطين بلة حين قام سدنة النظام بتهديد الرجل وإجباره علي الشهادة الزور حتي يبريء الشرطة قائلا إنها هي التي أنقذته من أيدي المتظاهرين الذين قاموا بتعريته وسحله.

وسرعان ما إنكشف التدبير الساذج الذي أكد الفضيحة ولم ينفها بل زادها اشتعالاً.

وربما لو كانت هذه هي الصورة الوحيدة لعري النظام لهان الأمر، ولكن الوقائع المتتالية تؤكد هذه الصورة وتحفرها في الوجدان الشعبي الذي فقد الثقة في حكم الإسلام السياسي ولم يعد يتوقع منه أي خير.

فإذا ما توقفنا أمام أشكال البلطجة التي مارسها الإسلاميون ضد مؤسسات الدولة وعلي نحو خاص ضد المؤسسة القضائية بحصار المحكمة الدستورية العليا لمنعها من إصدار أحكام كانت متوقعة بإبطال الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور وابطال مجلس الشوري الذي حوله الرئيس بقرار منه إلي مجلس للتشريع ثم عزل النائب العام دون وجه حق والايتان بنائب عام جديد في عدوان صريح علي استقلال القضاء وقيام هذا النائب العام الجديد بآداء تمثيلية ركيكة لا تضاهيها الا تمثيلية الاعترافات المزورة للمواطن المسحول، ووقع النائب العام استقالته بخط يده، وما ان انصرف وكلاء النيابة الذين طالبوه بالاستقالة احتراما لاستقلال الموقع، ورفضا لتدخل السلطة التنفيذية في شئون القضاء، إلا وعاد النائب العام المفروض علي القضاة إلي مكتبة قائلا انه كان عرضة لضغوط الوكلاء حتي يستقيل وأنه كان مرغما وبتنا كأنما نشاهد تمثيلية من قصص ألف ليلة وليلة عن المراوغة وأساليب الحوار في التلاعب وابتكار الحيل والخداع المرتب للفوز علي الطيبين الذين قال عنهم فؤاد حداد.

دايما الطيبين يستشهدون الأول

وها نحن نشاهد والقلوب تقطر دما شبابا في عمر الزهور يسقط كل يوم دفاعا عن ثورته وحلمه كما قال أحد أصدقاء الشهيد محمد حسين كريستي.

وبنفس القدرة علي التلاعب والخداع كتب الإسلاميون نصوص دستور مشوه. وفرضوه في استفتاء مزور علي البلاد متصورين أنهم يضعون ختم الشرعية عليه ما دام الاستفتاء قد تم وأخذوا يدفنون وجوههم في الرمال ويصمون الآذان عن احتجاجات الثوار الذين لم يقتصروا علي الشباب وحدهم وإنما اصبحوا يمثلون كل قوي الشعب وأطيافه وفئاته بل ورتبوا العمليات الخسيسة لاصطياد الثوار وقتلهم بادعاء انهم أي الثوار يمارسون العنف الذي دبروا هم له علي طريقة العصابات الاجرامية حتي أصبح الناس يتسائلون ما علاقة كل هذا بالدين الذي وضعوه ستارا يختفون وراءه وهم ينفذون المخطط الموضوع سلفا للاستيلاء علي الدولة واخضاعها لأهدافهم وصبغها بأوهامهم عن الخلافة والحكم الإسلامي وهم يحرسون المصالح الاستعمارية والصهيونية في المنطقة بكل شطارة.

تعري النظام إذن وإن بثمن باهظ من دم الشباب ولن يذهب هذا الدم سدي لا فحسب لأنه عري النظام الذي يزداد طابعه الاجرامي بروزا كل يوم بالموازاة مع عجزه عن حل أي من المشكلات الكبري التي تواجه البلاد، وانما أيضا لانه العنوان الساطع علي أن هذا النظام وهو يستولي – غلابا – علي مؤسسات الدولة واحدة بعد الأخري ويحدث الخراب أينما حل هذا النطام عجز عن الاستيلاء علي روح الشعب أو كسر شوكة المقاومة وأسسها المعنوية أو تلويث منابعها الاخلاقية العميقة بعمق تاريخ هذا الشعب واسهامه في بناء الحضارة الانسانية هو الذي عرفت الانسانية فجر الضمير عن طريق انجازه العبقري وهو الشعب الذي سوف يعرف جيدا كيف يعبر هذه المرحلة المعتمة من تاريخه ويحولها إلي جملة اعتراضية سوداء وعابرة مهما كان الثمن المطلوب منه وهو الشعب السخي علي مر العصور.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق