صبر موسكو بدأ فى النفاد..الكرملين يريد إحداث أى تغيير فى بيلاروسيا وإجبار الرئيس لوكاشينكو على التنازل بتعديلات دستورية

291

سيظل تفسير وتحليل زيارة وحديث وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف فى لقائه مع الرئيس البيلاروسى الكسندر لوكاشينكو محل جدل إلى أن نرى نتائج هذه الزيارة على أرض الواقع من خلال تصرفات الرئيس البيلاروسى.

منذ الانتخابات الرئاسية التى جرت فى التاسع من أغسطس من العام الجارى واندلاع المظاهرات التى تطعن فى النتيجة التى فاز بها الرئيس البيلاروسى الحالى بنسبة تفوق 80% وهو ما أدى إلى خروج منافسته سفيتلانا تيخانوفسكايا لخارج البلاد، وأصبح للبلاد رئيسان أحدهما فى المنفى تيخانوفسكايا ويعترف بها الغرب والحالى لوكاشينكو فى السلطة وتعترف به روسيا وعدد من دول الاتحاد السوفيتى السابق، ولا هم له إلا مواجهة المظاهرات التى تندلع بشدة فى أيام العطلات الأسبوعية السبت والأحد، مع حالات قمع تشتد مع الأيام وصلت إلى القتل أحياناً، كما حدث مع الشاب رومان بوندارينكو.

كانت زيارة وزير الخارجية الروسى يوم 26 نوفمبر الماضى 2020، وعند لقاء لافروف بالرئيس البيلاروسى نقل له تحيات الرئيس فلاديمير بوتين، ربما بذلك أراد بذلك أن يذكره بالالتزامات التى قطعها الرئيس لوكاشينكو على نفسه فى لقاء سوتشى مع الرئيس الروسى بوتين، لكن وفق بعض المتابعين للملف البيلاروسى ما لفت الأنظار هو حديث سيرجى لافروف المتحفظ، ويعتقد البعض أنه يخفى خلفه مشاكل وتقاطعات كثيرة بين الرئيس البيلاروسى الحالى وروسيا، مما جعل المراقبين يعتقدون بأنه خلف الكلمات العامة والمتحفظة لوزير الخارجية الروسى، ما يوحى بقلق موسكو من الأحداث فى بيلاروسيا، والتى تقف روسيا على الحياد منها حتى الآن، وتخفى الإهانات الكبيرة التى لحقت بها، وذلك لأن الرئيس لوكاشينكو لا ينفذ الالتزامات التى قطعها على نفسه فى سوتشى، بعمل إصلاحات دستورية. فحتى الآن لم يحدد الرئيس البيلاروسى لا وقت ولا إطار القيام بهذه الإصلاحات، وكل ما يقوله الأخير أنه عازم على إجراء إصلاحات دستورية.

وما يثير غضب روسيا أكثر هو أن الرئيس لوكاشينكو تجاهل تماماً ما تعهد به أثناء مباحثات سوتشى للرئيس بوتين وهو ما أثار غضب الكرملين، خاصة أنه حصل على دعم مادى يقدر بمليار ونصف المليار دولار ولم يقم بالإصلاحات الدستورية التى تعهد بإجرائها للرئيس بوتين لتخفيف التوتر فى بلاده، وإجراء محادثات مع الرئيس لوكاشينكو، حول إجراء انتخابات جديدة لا يريد هذا الأخير سماع أى كلمة عنها  أصلاً، وهو ما جعل المراقبين يرون فى حديث لافروف المبهم وجود مشاكل كبيرة، وكان الرجلان يتحدثان كل بلغة مختلفة عن الآخر، فبينما تحدث لافروف عن تكامل، تحدث لوكاشينكو عن تكثيف أو تعميق للعلاقات.

روسيا التى تعانى فى الفترة الأخيرة من العديد من المشاكل فى صفوف حلفائها فى فضاء الاتحاد السوفيتى السابق، وخاصة فى قيرجيزستان التى يتحدث بعض المرشحين للرئاسة فيها عن الاستغناء عن اللغة الروسية وهى الرابط الثقافى الرئيسى بروسيا، كما يتوقع المراقبون عن احتمال حدوث اضطرابات على خلفية تعديل الدستور،  بالإضافة للمشاكل بين أرمينيا وأذربيجان والتى استطاعت روسيا وقف الحرب بينهما بصعوبة قبل أن تستقطب إرهابيين من كل حدب وصوب، ناهيك عن نجاح السيدة مايا ساندو ذات التوجهات الأوروبية فى مولدوفا وخسارة دودون الموالى لروسيا، وهو ما ينذر باندلاع اضطرابات على خلفية إقليم بريدنستروفيه ذى الحكم الذاتى والذى تقطنه أغلبية روسية ويرفض الانضمام للاتحاد الأوروبى إضافة إلى ملف الدنباس فى شرق أوكرانيا المفتوح منذ ست سنوات، كل هذا جعل موسكو فى غنى عن أى مشاكل جديدة وخاصة فى بيلاروسيا الحليف الوثيق لروسيا والذى يربطه بموسكو حبل سرى لا يمكن قطعه بسهولة، سواء ثقافياً أو اقتصادياً.

قبيل سفر لافروف إلى بيلاروسيا صرح الرئيس لوكاشينكو بأن الغرب يحاولون دفع روسيا لأن تتخلى عن النظام القائم فى مينسك، إلا أنه أضاف هل سيستقيل هو أم لا؟ قال هذا قرار الشعب البيلاروسى فقط. فى نفس الوقت صرح لافروف قائلاً إن بلاده قلقة من التظاهرات المتواصلة التى لم تهدأ منذ الانتخابات فى بيلاروسيا، غير أن الكرملين أعرب عن أمله فى أن يقوم الرئيس البيلاروسى بإجراء التعديلات الدستورية التى وعد بها، والتى من الممكن أن تقلص من السلطات السياسية التى يتمتع بها لوكاشينكو فى الوقت الحالى، تصريح وزير الخارجية الروسى فى تقديرى هو تعبير عن غضب موسكو المكتوم تجاه الرئيس البيلاروسى.

وفى تقدير بعض المراقبين تصريحات لافروف ظاهرياً انصبت على أن موسكو تدعم لوكاشينكو، وأنها تستنكر التدخل الغربى فى شئون بيلاروسيا، لكن هذه الكلمات، فى واقع الأمر الهدف من زيارة لافروف هو إبلاغ لوكاشينكو تحذير من بوتين فحواه أن الرئيس البيلاروسى يخل بالاتفاقات التى تم التوصل إليها فى سوتشى، والتى تنص على أن الكرملين يدعم لوكاشينكو، على أن يقوم هذا الأخير بعملية نقل متدرج للسلطة، وأن يقدم للشعب جدولا زمنيا حول متى سيجرى استفتاء على تعديل الدستور. فى تصور الكرملين مثل هذه الإجراءات من الممكن أن تهدئ الرأى العام وتساعد على حل الأزمة السياسية، غير أن الرئيس البيلاروسى لا ينفذ ما تعهد به للرئيس بوتين.

بالطبع وفقاً للخبراء، موسكو لديها الكثير من وسائل الضغط على الحكومة البيلاروسية، منها الجوانب المالية، وأقلها أنه يمكن لروسيا رفض تأجيل سداد الديون المستحقة على مينسك، وسائل الضغط كثيرة لدى موسكو لكنها لا تريد الآن اللجوء لها، وأكثر ما يقلق موسكو هو انتصار هذه “الثورة الملونة” فى بيلاروسيا وهو ما يمكن أن يكون مثالا سيئا يحتذى به فى روسيا، الرئيس البيلاروسى يدرك هذا جيداً، ولهذا يراهن على استمرار موسكو فى دعمه، وهذه الاخيرة تراهن على تعديلات دستورية تعطى البرلمان والحكومة فى بيلاروسيا سلطات أوسع، وتقلص من سلطة الرئيس بدرجة كبيرة.

الكرملين يريد إحداث أى تغيير فى مينسك، أى أن يجبر الرئيس لوكاشينكو على التنازل بتعديلات دستورية على الطريقة السالف ذكرها، لأن هذا من شأنه أن يخفف الضغط الأوروبى على موسكو وعلى بيلاروسيا نفسها التى فرض عليها الاتحاد الأوروبى عقوبات شديدة وهو ما سيجعلها تعتمد على روسيا أكثر، وهى التى تعانى اقتصاديا بسبب العقوبات المفروضة عليها منذ الأزمة الأوكرانية ناهيك عن كورونا وانخفاض أسعار النفط، وربما نتيجة لهذا تحاول موسكو إيجاد بديل للرئيس لوكاشينكو أو تعديل الدستور بحيث لا تكون السلطة فى يد لوكاشينكو، بمعنى أنه سيبقى رئيساً لكن ليس فى يده سلطات كثيرة، وغير مؤثر فى اتخاذ القرار، لو تمكنت موسكو من إقناع لوكاشينكو بهذا تكون قد انقذت الشعب البيلاروسى من عقوبات قد تؤثر على بيلاروسيا بدرجة كبيرة، وفى نفس الوقت تحفظ لحليفها القديم لوكاشينكو مكانا شرفيا وإن كان بدون سلطة فعلية.

على أى حال تستطيع روسيا إيجاد حل وسط على طريقة جنوب القوقاز بين أرمينيا وأذربيجان، أو على طريقة المثل الروسى “الغنم مكتملين دون نقصان والذئب شبعان”، وفى هذا الإطار كان سيناريو تعديل الدستور بحيث تذهب السلطة بشكل سلمى للبرلمان وللحكومة وينسحب لوكاشينكو بشكل تدريجى، لكن يبدو أن الأخير لا يريد التخلى عن السلطة ولو حتى جزئياً وهو ما قد يدفع روسيا فى نهاية الأمر إلى استخدام تأثيرها الاقتصادى والمالى على بيلاروسيا، بل من وجهة نظر البعض قد يضطر موسكو للبحث عن بديل للرئيس لوكاشينكو، على أن تكون شخصية يرضى عنها الغرب وفى نفس الوقت غير معادية لموسكو….. هذا ما يشغل موسكو فى الوقت الحالى.

يبدو أن قيادات بيلاروسيا بدأت تشعر بأن صبر موسكو بدأ فى النفاد، فبدأت تتبع سياسة المناورات، حيث صرح رئيس وزراء بيلاروسيا رومان جولوفتشينكو، أن عملية تطوير الدولة الاتحادية بين روسيا وبيلاروسيا دب فيه النبض من جديد، لكنه عاد وقال إن هناك عددا كبيرا من المشاكل مازالت عالقة لتحقيق ذلك. بينما اقتصر رئيس البلاد لوكاشينكو فى حديثه عن الوحدة بقوله أنه يجب تكثيف العلاقات. وبالإضافة إلى التصريحات، هناك اتفاق روسى- بيلاروسى على انتاج لقاح كورونا الروسى فى بيلاروسيا، وجاء هذا بناء على طلب مينسك، لكن هل ستصبر موسكو التى تتحمل ضغوطا غربية بسبب بيلاروسيا وبسبب أوكرانيا. هل تستطيع موسكو إقناع لوكاشينكو بالحديث مع المعارضة وتعديل الدستور لتأمين انسحاب سلس له من المشهد بعد 26 عاماً فى السلطة، مرشح موسكو قابع فى السجن وهو فيكتور باباريكو، كما أن المرشحة السابقة فى الانتخابات والتى تجوب أوروبا حالياً وجرت دعوتها لحفل تنصيب بايدن، أعلنت أنها مستعدة للحديث مع موسكو.

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق