غيوب مرئية لـ”محمود نسيم”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

165

غيوب مرئية

                                 *محمود نسيم

……………….

-1-

البداية

…………….

أنا مُدرِّبُ الأداءْ

اخترتُ بقعةً من الأرضِ

أمام معبدِ الشمسِ

وأجريتُ بها تجاربَ الإلقاءِ والغِناءْ

أثار ما فعلتُ صانعَ الأكاليلِ

وحاملَ الكتابْ

فاستقدم الشرطةَ والدُعاة

وجهَّز المزمارَ والراعى

وهيأ المكانَ للجنودِ والجُباة

ثم اعتلى منصَّةَ الرجْمِ

وطاف حول كعبةٍ خفيةٍ

وهيكلٍ مُضاءْ

ودار بالنبيذِ والخبزِ على الشهودْ

وقال أينما تحطُّ ناقةُ النبىّْ

يكونُ موضعُ السجودْ

لا موطنُ الإثمِ ، وأوهامِ الخيال

وكلُّ منبرٍ  ولو كان من الهشيم

وكلُّ قربانٍ ولو كان من العشبِ

وكلُّ آيةٍ حتى ولو منسوخةٍ

مُقدساتْ

…………….

بقيتُ ساكنًا لبرهةٍ

ثم صعدتُ مسرخى

أعددتُ مشهدَ الهبوطِ من فراديسِ السكونْ

ومشهدَ الغارِ ، ونسجِ العنكبوتْ

ومشهدَ الذبيحِ والفِداءْ

ومشهدَ البُراق

ولُعبةِ الملاكْ

وقلتُ، سيدى :

يا كاهنَ الأسرارِ والقُداسِ والوعودْ

لا فرقَ بين العرضِ والصلاةْ

كلاهما اغترابْ

كلاهما إرثُ الخِداعْ

كلاهما صيدٌ عصىٌّ، واجتلاءْ

كلاهما فقدٌ ، ونُشدانٌ

وترتيلٌ طقوسىٌّ إلى ما لا نراه

كلاهما قِناعْ

………………..

-2-

الاختيار

……………

أنا مُدرِّبُ الأداءْ

فى أىِّ وقتٍ من نهارٍ عابرٍ

أُعلِّمُ الفتيةَ والبنات

تدرجاتِ الصوتِ فى الغِناءْ

طريقةَ النطقِ ، وتقطيعَ الكلامْ

وحِرفةَ التمثيلِ ، والرقصِ البدائىِّ

وموسيقى الجِنازاتِ، وتشكيلَ الفراغْ

من كلِّ من يأتى إلى منصةِ العرضِ

خلال صحوةِ المساءْ

أُميزُ الهِباتْ

اُفضلُ الجسمَ الخفيف

توازنَ الخطوِ، وطاقةَ الخيالْ

……………..

فى مهنتى تلك،

قضيتُ أكثرَ الحياة

من مقعدٍ فى ركنِ مسرحٍ

يُحيطُه وميضٌ من ظلالْ

أُتابعُ الإلقاءَ والعزفَ

ولُعبةَ المُحاكاةِ، وإيهامَ الحضور

أشرحُ من زاويتى

كيف يُجيدُ الراقصُ الخطوَ على الإيقاع

كيف يُتقنُ الممثلُ الإيحاءَ بالمشاعرِ النشوى

بلمحةٍ من السكونْ

وكيف يُوحى بالغموضْ

وكيف يلتقى الفضاءُ بالطيور

وتعرفُ الريحُ اللقاحْ

أفيضُ غائمًا

كأننى أُجدِّدُ الوجود

أجهزةُ الصوتِ على طاولتى

والضوءُ فى يدى

أُديرُه على أىِّ مساحةٍ أُريد

الضوءُ فى يدى

يشعُّ أو يغيبُ كيفما أشاءْ

لكننى، فى لحظةٍ

سمعتُ طرقةً على نافذتى

نظرتُ ساكنًا

وجدتُ طائرًا يرفُّ بالجناحِ

تاركًا على فِراشى زهرةَ الرمادْ

فى لحظةٍ…….

عرفتُ أننى طويتُ صفحتى

وأنه يومى الأخيرْ

فقد فقدتُ طاقةَ الإبصارِ

أصبحتُ مع الوقتِ

أُميزُ المكانَ بالصدى الصوتىِّ للكلام

وأعرفُ الناسَ بأصواتِ الحروفْ

وحينما مرَّ مُمثلٌ بليلةِ افتتاحْ

ظننتُه قِناعَ دميةٍ

ولاعبَ الخيالْ

فأوقف العرضَ،

وقال: كيف نتبعُ المدربَ الضريرْ

……………….

-3-

الصمت

……………..

فى موضعٍ خالٍ سوى من ورقٍ

ومقعدِ انتظارْ

أتى إلىَّ راقصُ السهرةِ دائرًا

تُحيطُه أشعَّةٌ سوداءْ

وقال كيف أستمدُّ من مدربٍ بلا حواسْ

ونظرةٍ عمياءْ

إضاءتى ومشهدى

أنا حبيسُ الضوءِ

مهنتى هى التعبيرُ والإيهامُ بالظهورْ

طبيعتى لا تعرفُ الخفاءْ

……………….

وفى غزيرِ الليلِ

مرَّ كاهنُ المعبدِ باسمًا

وقال : قاعةُ التمثيلِ والحوارْ

صارت مكانًا للتراتيلِ

وتقديمِ القرابينِ

وتجهيزِ الدُمى للعزفِ والبكاءْ

وصالةُ المُشاهدينْ

محوتُ من فضائِها أىَّ علامةٍ عليك

جعلتُها بهوَ التماثيلِ

وساحةَ الطقوسْ

وقال : لن يحميكَ ما كتبتَ، أو عرفت

دلَّ على إثمِ خفاياكَ المُشاهدُ الوحيدْ

أنت تريدُ سرقةَ النارِ

وتدريبَ المواليدِ على رفضِ السجودْ

انظرْ ، أنا الآن بمزمارى أُنظمُ القطيعْ

أُعطى لهم نافذةً للنزفِ والدعاءْ

انظرْ، لكَ الليلةَ ما يبقى من  الغيوبْ

ومن ثمارِ الحقلِ فى الجفاف

وكعبةِ الآلامِ والطوافْ

انظرْ، هنا

تحت سمائى كان مسرحُكْ

صار خرابَك الجميل

……………

واربتُ بابى،

وانتظرتُ طرقةً من زائرِ اليومِ الأخيرْ

صرختُ فى سكونْ

يا سادتى الحضورْ

الآن أنتم الظلالْ

وكلُّ ما أراه

نحتُ الخواءْ

يا سيدَ الصدى

طويتُ صفحتى

يا سيدَ العماءْ

…………..

أنا أرى الظلامْ

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق