حرب كاراباخ .. حسابات الربح والخسارة :وجود قوات أجنبية يقلص من مرونة أذربيجان كدولة على الساحة الدولية

العدو التركى على أراضى أرمينيا .. وروسيا فى موقف صعب

304

الآن بعد أن انقشع دخان المعارك وصمتت المدافع، بدأت أطراف النزاع فى كاراباخ فى إحصاء المكاسب والخسائر. انتهت المعارك بشكل غير متوقع كما بدأت، فقد تمكن طرفا النزاع بمشاركة روسية من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، الذى بدأ يوم 10 نوفمبر الماضى. توقف الحرب جعل أطراف النزاع يركزون على تحليل تكتيكات سير المعارك، والوصول إلى المحصلة النهائية للحرب.
للوهلة الأولى يبدو الأمر وكأن الحرب انتهت بانتصار أذربيجان المدعوم من تركيا، بينما هزمت أرمينيا فى الحرب، أما روسيا فقد دعمت تواجدها فى جنوب القوقاز، كدولة راعية لعملية السلام. من حيث المبدأ هذا يعتبر كافيا للحديث الموضوعى عن نتائج الحرب بشكل سريع، غير أنه عند التطرق لنتائج الحرب بشكل أكثر تفصيلاً نجد أن الصورة تنقصها تفاصيل كثيرة غائبة ولم يتطرق إليها كثير من المحللين.
الذى لا شك فيه أن أذربيجان حصلت على ما يكفى من التفوق، ويمكن القول أنها تمكنت من تحقيق نصر عسكرى يكاد يكون حاسما، فقد استعادت باكو جزءا كبيرا من الأراضى التى كانت تحت سيطرة أرمينيا، وهنا الحديث عن سبع مناطق أذربيجانية بالإضافة إلى الجزء الأكبر من ناجورنو كاراباخ مع مدينة شوشا ذات الأهمية الاستراتيجية. وينص الاتفاق الذى توصلت إليه الأطراف على فك الحصار للوصول لمنطقة ناخيتشفان المفصولة عن أذربيجان بأراض أرمينية. وهنا حصلت أذربيجان على مكسب سياسى هام، وهو ما جعل المشاكل الاقتصادية فى البلاد والناجمة عن انخفاض أسعار النفط وفيروس كورونا تحتل المرتبة الثانية أو حتى الثالثة، وأمّن هذا الانتصار الاستقرار فى أذربيجان والإجماع الشعبى لعدة أعوام قادمة.
غير أنه وكما فى كل الحروب هناك الخسائر البشرية والمادية، وهنا نجد أن أذربيجان وهى الطرف المهاجم، الذى عادة ما يتكبد الخسائر الأكبر ( باعتراف الحكومة الأذربيجانية 2700 قتيل) على عكس الطرف المدافع وهو الأرمينى، إلا أن استخدام الطائرات التركية المسيرة، وخبرات المستشارين الأجانب جعل لأذربيجان السيطرة الكاملة فى الجو وقلل من الخسائر الأذربيجانية، وأدى على العكس لزيادة الخسائر الأرمينية، ورغم ذلك لم تكن معارك كاراباخ العنيفة نزهة للقوات الأذربيجانية.
لكن القضية المثيرة للجدل بالنسبة لباكو على المدى البعيد، هو أن هذه الحرب اجتذبت قوات أجنبية للأراضى الأذربيجانية، وهى قوات حفظ السلام الروسية والقوات التركية، حتى لو كانت هذه القوات مهمتها حفظ السلام ومرتبطة باتفاقية وقعت تحد من فترة تواجدها، إلا أن وجود قوات أجنبية على أرض أذربيجان سيقلص من مرونة أذربيجان كدولة على الساحة الدولية. المشكلة تكمن فى أنه فى حالة ما إذا فقد اللاعبان الكبيران فى جنوب القوقاز روسيا وتركيا لهذا السبب أو لغيره، الطابع البنّاء، وتحولهما إلى متنافسين فى أسوأ سيناريو عدائى كيف ستتصرف أذربيجان، ولمن ستنحاز (هناك مشكلة تركية مع روسيا حول عدم الاعتراف بالقرم كجزء من روسيا، وهو ما دفع السكرتير الصحفى للرئيس بوتين إلى القول “أن روسيا تختلف مع الأصدقاء الأتراك حول هذا الأمر) ومحاولات الرئيس علييف المواءمة بين المصالح التركية والروسية من الممكن ألا ترضى أيا من الطرفين وحينها ستصبح أذربيجان بين شقى الرحى. فى هذه الحالة من الممكن أن يكون للقوميون الأذريون حديث أخر من الرئيس بسبب انتهاجه لسياسة تابعة لروسيا، أو بسبب تواجد قوات حفظ سلام روسية فى كاراباخ، أى داخل حدود أذربيجان المعترف بها دولياً. كما أن موسكو من الممكن أن تنتهج سياسة متشددة تجاه أذربيجان فى حالة تفضيل الأخيرة لتركيا فى سياستها حول كاراباخ أو الخارجية بصفة عامة، سنرى فالحرب انتهت منذ فترة قصيرة.
أما محصلة الحرب بالنسبة لأرمينيا، فهى غريبة إلى حد ما، حيث كانت كثافة النيران الاذربيجانية أشد، وكذلك تكتيك العمليات، كما أن أرمينيا فقدت التفوق الجوى، وفقدت جزءا كبيرا من الأراضى التى كانت تشغلها وهى سبع مناطق أذربيجانية، وجزء كبير من كاراباخ. وسقطت البلاد فى أزمة سياسية، ووجه الأرمن اللوم لروسيا لعدم تفعيل اتفاق الأمن الجماعى الذى تشارك فيه أرمينيا، ولو حتى من الناحية الأدبية وليس القانونية. وفيما يعيش الرئيس الأذربيجانى نشوة النصر، نجد أن الكرسى يهتز بقوة من تحت رئيس الوزراء الأرمينى نيكول باشينيان الذى جاء للحكم عقب ثورة مخملية منذ عامين، فقد وجهت له المعارضة اليوم 5 ديسمبر إنذاراً، إذا لم يترك الحكم حتى يوم الثلاثاء المقبل 8 ديسمبر فإنها ستعلن العصيان المدنى، وطمأنت المعارضة روسيا بأنها لن تخرج عن الاتفاق الذى أبرمته أرمينيا مع روسيا وأذربيجان. وهناك شيء هام خسرته أرمينيا وهو أن هذه الحرب وخسارتها أتت بعدوها اللدود تركيا إلى حدودها بل ستمر حافلاته وجنوده عبر ممر يصل ناخيتشفان بباكو عبر الأراضى الأرمينية. فى نفس الوقت لم تكن هزيمة أو خسارة أرمينيا ساحقة، فهى مازالت تسيطر على الأراضى الأرمينية وتحتفظ بتأثيرها وقدرتها العرقية فى كاراباخ.
فيما يتعلق بروسيا، فقد وضعتها الحرب فى كاراباخ فى موقف صعب للغاية، فمن ناحية كانت علاقة أرمينيا بقيادة رئيس الوزراء باشينيان ليس على مايرام، وكانت تنتقده بسبب توجهاته الغربية، ولهذا اعتبر عدد كبير من الخبراء الروس أن هزيمة أرمينيا فى الحرب هى هزيمة لأحد “زبائن الغرب” رغم أن يريفان كانت وستظل عضواً فى اتفاقية الأمن الجماعى والاتحاد الأورآسيوى الاقتصادى، أى أن أرمينيا ستظل دولة وثيقة الصلة اقتصادياً وسياسياً بروسيا، ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار أن روسيا خسرت قليلا من سمعتها فى هذه الحرب، لكن الذى لم يلفت نظر الخبراء هو أن 22% من سكان روسيا من المسلمين، ودعم أرمينيا من الممكن أن يحدث شرخا داخل المجتمع الروسى، كما أن الرئيس بوتين تصرف بحكمة حتى لا يخسر دولة صديقة مثل تركيا ولم يكن يرغب فى الدخول فى صدام معها فى كاراباخ، ولذلك حرصت روسيا على نوع من التوازن فى هذا النزاع.
هناك طرف رابع كان منغمساً فى هذا النزاع وهى تركيا، التى من الممكن اعتبارها من المستفيدين من حرب كارباخ 2020، فهى دعمت موقعها السياسى والعسكرى فى منطقة جنوب القوقاز، وزاد التأثير التركى على القيادة السياسية والعسكرية فى أذربيجان، كما زاد الولاء لتركيا فى المجتمع الأذربيجانى، وفى عموم دول الاتحاد السوفيتى السابق المسلمة فى وسط آسيا، غير أن الخبراء لا يتوقعون استطاعة تحويل تركيا لهذا الولاء للأتراك إلى ولاء سياسى أو اقتصادى أو عسكرى.
من الممكن أن تجنى أنقرة بعض الثمار الاقتصادية نتيجة الانتهاء الناجح للحرب فى كاراباخ، فهى تستطيع بذل بعض الجهد من أجل تحسين البنية التحتية فى جنوب القوقاز من خلال تحسين منظومة النقل فى جنوب القوقاز، ليكون محورها تركيا – أذربيجان إلى الطرف الآخر من بحر قزوين وبعد ذلك إلى جنوب- شرق أوروبا فى الغرب. تحسين منظومة النقل فى جنوب القوقاز يعتبر كذلك فى مصلحة الصين وكازاخستان ودول وسط أوروبا.
غير أن أنقرة من الممكن أن تصطدم بعوائق صعبة فى طريق طموحاتها فى السياسة الخارجية، فسياسة تركيا العدوانية كما يصنفها الأوروبيون، والتى لا تقبل الحلول الوسط وسوء العلاقات مع شركائها الغربيين أدى إلى فقدان الثقة فى توجهاتها، وإلى هروب رؤوس الأموال الدولية من تركيا وتدهور الاقتصاد التركى، فقد خسرت الليرة التركية حوالى 10% من قيمتها وحصلت وفق تصنيف موقع بلومبيرج على لقب “أسوأ عملة” خلال العام الجارى، كما استنزف بشدة الاحتياطى النقدى من العملة الصعبة، لذلك سيكون على تركيا محاولة تحسين العلاقات مع اللاعبين الكبار على الساحة الدولية، كما أن عدم رضاء المجتمع التركى عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة سيدفع أنقرة لإعادة النظر فى توجهاتها السياسية الخارجية. أى أن مكاسب تركيا اقتصادية وهذا محل شك حتى الآن، لأنه يعتمد على آخرين لتفعيله، أما طموحاتها الجيوسياسية فتصطدم بروسيا صاحبة النفوذ والسطوة سواء فى وسط آسيا أو جنوب القوقاز.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق