فريدة النقاش تكتب:درب الجائحة

238

قضية للمناقشة

درب الجائحة

فريدة النقاش

راكمت الإنسانية خبرات هائلة في مواجهة الكوارث منذ دب الانسان علي الأرض, سواء كانت هذه الكوارث زلازل أو براكين أو فيضانات أو أوبئة أو غير ذلك, وتعلمت الإنسانية عبر هذه المسيرة الطويلة أن تبدع في مواجهتها لها علومًا جديدة وأدوات مبتكرة, كما أنها قدمت الضحايا علي طريق الوصول للنتائج المرجوة.

ولم تكن هذه الخبرات مجرد دروس عابرة, بل إنها ظلت محملة بكنز من المعاني والأخلاقيات والقيم, وشكلت – عادة- نبعا غنيا للحكمة والتأمل.

إذ اعتاد غالبيتنا أن يتوقفوا في ظل هذه الكوارث أمام المعاني الكبري, والأفكار العميقة التي تصاحب عادة التفكير في الموت وفي سبل النجاة منه, وهو الوضع الذي كثيرا ما كان بابا للتأمل والحكمة إذ أنه يضع الإنسان وجها لوجه أمام مصيره, فيجد نفسه- تلقائيا- متوقفا عن اللهاث وراء الصغائر  والمنافع التافهة التي اعتاد الصراع مع الآخرين عليها, وإذ تبدو في بعض الأحيان كأنها حرب الكل ضد الكل كما قال أحد الفلاسفة, وهي الحرب التي تتوقف تلقائيا حين يكون المصير الإنساني برمته معرضا للخطر, أو ربما يشتعل أكثر مع اليأس وفقدان الأمل.

هكذا تدعونها جائحة كوروبا للتوقف هي التي لم تبق بلدا ولا شعبا بعيدا عن أخطارها. بل إن البلدان الأغني وصاحبة التاريخ الاستعماري القبيح عجزت عن النجاة رغم الثراء والتقدم العلمي, أي أن الإنسانية كلها أصبحت مصابة, ومن لم يصب هو مرشح أكيد.

ولذا فإن هذا الانتشار الجهنمي للوباء يدعو الإنسانية عبر المؤسسات الدولية والقومية والمحلية للتوقف أمام واجباتها النظرية, هذه الواجبات التي تعامل معها الأقوياء باستخفاف لا يخلو من تجاهل  لمآسي الآخرين, وطالما أن الخطر محدق بالجميع فثمة حاجة لإعادة النظر في صراع الشمال- الجنوب، والغني- والفقر, والنساء والرجال.

ولطالما دفعت بنا كوارث مشابهة واجهتها الإنسانية لإعادة النظر في كل علاقاتنا الدولية والداخلية الطبقية. ولما كانت الكارثة تتراجع يصبح طريق استعادة القديم ممهدا وشعار “هذا ما كان عليه آباؤنا”. ومع ذلك فنحن نتعلم علي الطريق أن العودة إلي الماضي مستحيلة.

وقد علمتنا الحياة أن لكل كارثة جانبا مضيئا- ولو صغيرا- وسوف نلمح فيما نحن فيه الآن أن التضامن بين المواطنين أو بالأصح بين الأصحاء والمصابين قد أصبح معلما بارزا في العلاقات الاجتماعية, ولكن مثل هذا التضامن- الذي لم يصبح عاما بعد- يبقي معطوبا بسبب ما ينتجه الرعب الجماعي من آفات فكما تبين لنا الجائحة فضائل المواطنين فإنها تبين أيضا الجانب السلبي والأناني فيهم.

فكيف يا تري سيكون بوسعنا أن نعظم ما هو ايجابي, ونقلل قدر الإمكان ما هو سلبي ومؤلم، وهنا لابد أن يلعب الإعلام دورا محوريا ويقتضي انجاز هذا الدور ان يتوافق اكبر عدد من الاعلاميين حول الهدف بحيث يدافع عنه كل بطريقته أو طريقتها, مع تواصل هذا الدور حتي لا يصبح اهتماما عرضيا أو موسميا ينتهي بانتهاء “الموضة”.

ولكن الإعلام لن يعمل علي أرض فراغ, ولذا فإن العمل المؤسساتي علي “الأرض” هو شرط ضروري لكي ينجز الإعلام دوره. ولا تعني الإشارة للمؤسسات أننا بصدد حصر المهمة في القطاع الطبي وحده, بل إن هذا القطاع هو عادة آخر المطاف, وعلينا في هذا الصدد ان نجفف المنابع التي تأتي منها الجائحة بقدر الامكان سواء في النقل أو التعليم أو مواقع العمل أو حتي في العلاقات الاجتماعية والأسرية بشكل خاص, وهو ما يعتمد بشكل كبير علي وعي المواطنين والمواطنات ومدى شعورهم بالمسئولية.

هي إذن مهمة شاملة وكلية, لو تكاتفنا جميعا مصابين وأصحاء لإنجازها سوف يتوافر لدينا زاد هائل من الطاقة والأفكار  ومشاعر التضامن التي تجعلنا قادرين بعد ذلك علي انضاج الشروط المادية للتغيير الي الافضل, لا في ميدان الصحة وحدها وانما في ميادين أخري كثيرة باتت في حاجة الي التغيير.

لم يكن الوجدان الشعبي الذي انتج المقولة الشائعة “رب ضارة نافعة” مخطئا أو مغاليا حين وصل الي هذه النتيجة العبقرية, وهي النتيجة التي نلوذ بها كلما اشتدت حلكة الظلام, ونحن نسعي الي معانقة الضوء في آخر النفق ونستجمع كل طاقتنا المعنوية والأخلاقية, ولطالما اعتقدنا ان الظروف الصعبة هي التي تظهر فيها فضائل الشعب وقوته الاخلاقية التي ربما لا تتجلي في ظل الظروف العادية اليومية اذ يلهث الجميع من أجل لقمة العيش.

سوف نستخلص مع الوقت دروسا ثمينة من هذه التجربة المؤلمة, ومن التضحيات التي ارتبطت بها, ولعل درس التضامن الشعبي- مرة اخري- أن يكون هو أثمن ما نخرج به, ويا ليتنا نمسك به فلا يفلت أبدا ولا يصبح عرضة للتجاهل أو حتي النسيان. في الظروف الجديدة, لعل وعسي.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق