مينا كرم يكتب :يناير .. المعبود الشاب الذي يشيخ سريعا !!
بقلم : مينا كرم
يناير : اسم من الكلمة اللاتينية Januarius ويحمل هذا الشهر اسم الإله الروماني جانوس Janus ، وهو اله الشمس، وكان يمثل حارس أبواب السماء كما يمثل اله الحرب والسلم، وقيل: انه اله البدايات والنهايات وكان يُرمز له بتمثال له وجهان وجه شاب يافع يمثل بداية العام ووجه شيخ كهل يمثل نهاية العام .
وهكذا أيضا حال شباب الطبقة المتوسطة حاليا الذين يصارعون في حرب مجتمعية وثقافية طاحنة ممتدة للحفاظ علي وجودهم وعدم نزولهم أكثر فأكثر فرغم أنهم البداية القوية التي ينبغي أن يعتمد عليها الوطن في بناء مجتمع قوي متقدم الا أن الاحباطات المتتالية جعلت الوجه الآخر ليناير الشاب الذي يشيخ سريعا تظهر بسرعة !! ونلاحظ ذلك في العديد من المظاهر :
أولا : في الوقت الذي تقول فيه الدولة إنها تدعم المواطنين من الفقراء ومحدودي الدخل يؤكد الواقع أن الشريحة الكبرى من الطبقة المتوسطة خارج منظومة الدعم إما مختارين أو مجبرين، فهم في الغالب لا يعلّمون أولادهم في مدارس الحكومة ولا يستخدمون النقل العام ولا يستفيدون من مستشفياتها، وينطبق نفس الشيء على كثير من برامج الدعم التي تقدمها الدولة، فيلجأون للقطاع الخاص البديل في التعليم والعلاج الخاص الذي خدمات أفضل نسبياً بعيداً عن الخدمات الحكومية المدعومة، التي لا تناسب جودتها تطلعات تلك الطبقة , وأحياناً لمن بحكم أن رواتبهم تتجاوز الـ3 آلاف جنيه يُحرمون من هذه الخدمات رغماً عنهم.
وهكذا فان الطبقة الوسطى دائماً ما تتطلع إلى مستوى معيشة أفضل، وبالتالي فهي تبحث في بدائل خاصة وهي في سبيل نضالها في ذلك فان نصف وجه يناير العجوز يهيمن سريعا علي نصفه الشاب !!.
ثانيا : في الوقت الذي تتكدس فيه الإقساط والفواتير الشهرية علي شباب الطبقة المتوسطة وإنهاك المرتبات التي لا تكفي أحيانا لنهاية الشهر وكبريائهم الذي يمنعهم من الإفصاح عن ذلك حتي للمقربين منهم فأنهم يتمنون ان ينتهي الشهر سريعا بل والشهور والسنين تحت وطأة المطالبات والطموحات المشروعة لهم في البقاء في مستوي معيشي مقبول وليس ممتاز فأنهم يسعون بأنفسهم إلي تسريع لاهث لأعمارهم وللزمن وهكذا فان نصف وجه يناير الشيخ يهيمن سريعا علي نصفه الشاب !!.
ثالثا : الأمراض التي كانت تصيب المصريين بعد سن الستين صارت تظهر بكثافة للشباب ما بعد الثلاثين بشكل مثير للقلق وان كان ليس له تفسير طبي جمعي يمكن ان يعمم ويعطي تفسيرا وبالاضافة الي ذلك زيادة معدلات الوفيات في حوادث طرق الموت المنتشرة في ربوع مصر أحيانا وبدون سبب أحيانا أخري وهكذا فان نصف وجه الحياة ليناير يتراجع أمام وجهه المنتهية عنه الحياة !!
رابعا : في مسلسل ” حضرة المتهم أبي ” يتألق الكاتب محمد جلال عبد القوي في نصه علي لسان نور الشريف حين قال ” أن أولادنا ( أبناء الطبقة المتوسطة ) مش جعانين لكن مش قادرين يشبعوا ” وما بين الجوع والشبع والوجود والفناء والاختفاء والانفجار يظهر وجه يناير بنصفيه ساخرا متأملا عن بعد قريب في الأحداث الحالية !!.
خامسا : عدم توافر فرص عمل تمتص طاقة ومخزون الإبداع الشبابي امر يعجل بشيخوخة الإبداع المصري , التهديد المستمر للعاملين بالقطاع الخاص – بعد ان أعطت الدولة والقطاع العام ظهرها لأجيال من الشباب – يجعل الأنفاس في حالة لهث دائم والقلب ضرباته أسرع من مثيلتها لمثل هذا العمر !!.
وأخيرا ..
ورغم كل التحديات ولكل من يقول أن الطبقة المتوسطة إلي زوال ..
ستشيخ فكرتكم وستبقي هذه الطبقة مصدرا ملهما للإبداع وللحفاظ علي هوية هذه الأمة الثقافية والحضارية والاجتماعية .
لكل المناضلين من أبناء الطبقة المتوسطة الأوفياء لطبقتهم ولأحلامهم وطموحاتهم المشروعة ..
سلاما ومجدا لسعيكم وكفاحكم الدؤوب ولطاقتكم الوثابة التي تبث الدفء في أوصال شتاء الأيام المستمر خارج تصنيف الفصول , ومن يدري لعل يناير القادم يحمل بشاير مختلفة لنا … كل عام انتم بخير وسلام ووجود ورسوخ أكثر .

التعليقات متوقفه