درية شفيق.. التمرد يليق بالنساء .. بنت النيل التي رفضت تهميش دور المرأة في مصر

41

عرض وتقديم : عيد عبدالحليم

يدور في أروقة وزارة التربية و التعليم جدل واسع حول صورة لدرية شفيق قامت الوزارة بنزعها من كتاب التربية لأنهاغ غير محجبة فمن هي درية شفيق؟

هنا محاولة للتذكير بدور واحدة من رائدات العمل النسائي المصري في القرن العشرين، وهي «درية شفيق».

«درية شفيق» اسم بارز في الحركة الوطنية المعاصرة، ساهمت بكفاحها ورؤيتها المغايرة في تشكيل صورة جديدة للمرأة المصرية المستنيرة التي تسعي إلي صحوة مجتمعية.

كانت درية شفيق ترغب في «خوض تجربة الحياة كاملة» أن تكون بطلة جماهيرية في مجتمع ينظر إلي المرأة نظرة تحصرها أساساً في دور السند والمعين والمرشد الأخلاقي الأمين للأسرة، أما هي، فكانت تستمد قوتها وأهميتها وكرامتها وعزتها من انجازاتها بحثا عن الحرية.

في عام 1908 ولدت «درية شفيق» في مدينة طنطا في بيت جدتها لأمها وكان ترتيبها الثالث بين إخواتها الستة.

مرجعية التأمل

ولعل أبرز صفة تميزت بها درية شفيق في طفولتها المبكرة هي «التأمل» وهو تأمل مصدره الحزن فقد كانت الطفلة تري أنها ولدت في طبقة غير التي تريدها.

إلا أن «درية شفيق» بما امتلكته من روح التحدي والإصرار قررت أن تواصل طريقها في التعليم لكي تعمل بعد ذلك بما تعلمته وفي ذلك تقول في سيرتها والتي دونتها «سينشياتلسون» وترجمتها نهاد أحمد سالم وأصدرها المركز القومي للترجمة- «كنت في عجلة للوصول إلي المستقبل الذي كنت أراه دائما يجري أمامي» وبالفعل نجحت «درية» بتفوق في شهادة البكالوريا «تعادل الثانوية العامة الآن» وكانت الثانية علي القطر المصري – وقتها – وكانت أصغر من حصل علي هذه الشهادة حيث كان عمرها وقتها ستة عشر عاما، وذلك في فرع اللغة الفرنسية. وهنا تصاعدت أحلامها الوثابة فأردت ان تسافر إلي فرنسا لاستكمال دراستها الجامعية، فأرسلت رسالة إلي هدي شعراوي تطلب منها ان تساعدها علي السفر واستكمال تعليمها في «جامعة السربون»، وبالفعل تأثرت «هدي شعراوي» برسالة «درية»، وطلبت مقابلتها في القاهرة وعن ذلك تقول درية:

«رحبت بي بلطف وبساطة غرت بهما قلبي، وجدت فيها دفء أم سوف تأخذ بيدي لتقودني نحو مستقبلي، ورأت تأثري وبذلت قصاري جهدها حتي أتغلب علي ارتباكي وقالت: يسعدني أن أراك بهذا الذكاء، كما يسعدني أن تمثل مصر في الخارج فتاة من مستواك».

وربما كان هذا اللقاء بين رائدة العمل النسائي في مصر وبين «درية شفيق» سببا رئيسياً في تغيير مسارها حيث سافرت – بعد أن توسطت لها هدي شعراوي في بعثة دراسية إلي فرنسا هي إحدي عشرة فتاة مصرية عام 1928.

في باريس بدأت مداركها الفكرية ووعيها يتسع بثقافة مغايرة، وبدأت تكتب الشعر المنثور لتتحدي به الغربة والحزن.

في تلك الفترة بدأ اهتمامها يتزايد بالفلسفة حيث بدأت تتأثر بأفكار «جان جاك رسو» – «1712 – 1778» وهي تتلمس الأسس الفلسفية لوعيها النسائي خاصة دعوتها للحرية الانسانية، وذلك جاءت رسالتها الجامعية الاولي حول أعماله الفلسفية وحياته».

في عام 1935 تقدمت درية لمسابقة ملكة جمال مصر – اثناء قضاء عطلتها السنوية في مدينة الاسكندرية وبالفعل حصلت علي لقب الوصيفة الأولي بعد «شارلوت واصف التي أختيرت في نفس العام ملكة جمال العالم، وجاء اختيار درية لا لجمالها فحسب بل أنها أول فتاة مسلمة تشترك في مثل هذه المسابقة.

في تلك الأثناء تعرفت درية علي أحمد الصاوي محمد الصحفي بالأهرام، وتم عقد قرانهما إلا أن الزواج لم يكتمل وعن تلك الحادثة يقول مصطفي أمين كما ورد في كتاب «امرأة مختلفة» لسينشيانلسون:

«ولكن الزواج الذي أثار كل تلك الضجة لم يدم طويلا، والواقع ان الطلاق تم قبل أن تزف العروس، فأحمد الصاوي كان صعيديا في غلاف أوروبي، ولد في أسوان وتعلم في باريس، كان متحررا فيما يكتب، متزمتا في بيته، أما درية شفيق، فقد تأثرت بدراستها في السربون، وطالبت للمرأة المصرية بكل ما للمرأة الفرنسية من حقوق، أرادت لها أن تدلي بصوتها في الانتخابات وان تقدر علي تمثيل بلادها وتولي الوزارة ولم يكن الصاوي يعترض أن تتولي الوزارة أو السفارة أي امرأة مصرية.. ماعدا زوجته، فمكانها البيت. فأصبح الطلاق أمراً لابد منه وتحملت درية صدمة الطلاق بشجاعة تدعو الي الاعجاب وقالت لي آنذاك «هذه أقل تضحية أقدمها حفاظا علي مبادئي».

تجارب وصدام

وبعد هذه التجربة الفاشلة عادت درية إلي باريس مرة أخري، وأثناء ذلك تقابلت درية هناك مع ابن خالتها «نور الدين رجائي» الذي كان يدرس في جامعة باريس بعد أن أرسلته جامعة القاهرة في بعثة دراسية للحصول علي الدكتوراة في «القانون التجاري» وهناك تم زواجهما رغم أن درية تكبره في السن بسبع سنوات (كانت وقت الزواج عمرها 29 سنة وهو في الثانية والعشرين – كان ذلك عام 1937».

في عام 1942 عادت درية وزوجها إلي القاهرة، وتقدمت بطلب لتدريس الفلسفة في كلية الآداب جامعة فؤاد الأول – القاهرة الآن – إلا أن أحمد أمين عميد الكلية وقتها رفض تعيينها بحجة «أنه لا يستطيع تعيين امرأة جميلة للتدريس بالكلية.

وذهبت «درية» إلي وزير التعليم الذي بادرها قائلا «ان عميد الكلية اتصل به وأعلن متوعدا قائلا «يوم تحظو درية شفيق بقدمها في الجامعة هو يوم أغادرها أنا».

في عام 1945 رأست درية تحرير مجلة «المرأة الجديدة» والتي كانت تمولها الأميرة شويكار، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ولدت فكرة مجلة «بنت النيل» بعد توقف مجلة «ليجبسيان» التي كانت تصدرها هدي شعراوي، ومجلة «فتاة الشرق»، وبالفعل صدر العدد الأول في نوفمبر عام 1945.

عن توجه المجلة تقول درية شفيق «كنت أريد مجلة للنساء فقط، وخاصة للمرأة المصرية والعربية، مجلة تركز علي مشاكل المرأة، لأن التفسيرات الخاطئة للقرآن تسببت في ظلم المرأة العربية.

من أشهر المعارك التي خاضتها معركتها مع الحكومة المصرية حين تم تشكيل اللجنة التأسيسية لصياغة دستور 1954 ولم تكن المرأة ممثلة فيه، فقررت «درية شفيق» الاعتصام في نقابة الصحفيين وأضربت عن الطعام وقالت وقتها عبارتها المشهورة:

«أنا أرفض الخضوع لدستور لم أشترك في صياغته، وإني أقوم بهذا الإضراب في نقابة الصحفيين لأن الصحافة بطبيعتها ترتبط ارتباطا وثيقا بكل حركات التحرير».

وتفاعل المجتمع المدني العالمي معها، وظلت معتصمة لعدة أيام حتي جاءها محافظ القاهرة برسالة من الرئيس محمد نجيب أكد فيها أن حقوق المرأة ستكون مضمونة في الدستور الجديد، ولم تغادر «درية» مكان الاعتصام حتي وقع لها المحافظ إقراراً كتابيا بأنه مندوب من رئاسة الجمهورية لكنها دخلت في مواجهة بعد ذلك مع جمال عبدالناصر ونظامه، خاصة بعد محاولات درية تحويل جمعية «بنت النيل» إلي حزب سياسي ينادي بحرية المرأة.

وأدي هذا الصدام إلي أن إعلان الحكومة منع عضوات «بنت النيل» من الترشيح للبرلمان، إلا أن «درية» ظلت علي موقفها من المواجهة، مما أدي إلي عزلها سياسيا عن المجتمع بعد أن اصدر جمال عبدالناصر قرارا بتحديد اقامتها في بيتها.

وقد ظلت في وحدتها هذه حتي وفاتها عام 1975.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق