فى ذكرى إنزال العلم السوفيتى من فوق الكرملين..القوقاز هو من ضرب أول معول لهدم الاتحاد السوفيتى

حرب أفغانستان وانهيار أسعار النفط وإصلاحات جورباتشوف أهم أسباب هدم الدولة السوفيتية

273

قبل العام الجديد وبالتحديد يوم 25 ديسمبر عام 1991 جرت عملية إنزال العلم السوفيتى من فوق قصر مجلس الشيوخ بالكرملين ورفع علم روسيا الاتحادية بألوانه الثلاث، رغم أن اختفاء توقيع اتفاقية بيلوفيجسكى التى انهت دور الاتحاد السوفيتى كدولة عضو فى المجتمع الدولى بشكل قانونى وقعته عدد من الدول الرئيسة الأعضاء (روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا) فى الاتحاد السوفيتى حدث يوم 8 ديسمبر 1991، إلا أن إنزال العلم السوفيتى كان له وقع مؤلم على من آمن بالاشتراكية، وهكذا أصبح اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية جزءا من التاريخ، وحلت محله روسيا الاتحادية.

ورغم أن العلم تم إنزاله يوم 25 ديسمبر 1991، إلا أن المؤرخين يعتبرون 26 ديسمبر من نفس العام هو التاريخ الفعلى لانهيار الدولة السوفيتية، سبق الانهيار عدد كبير من العمليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية استمرت عدة أعوام. وجد المحللون صعوبة كبيرة فى تحديد سبب حاسم لانهيار الامبراطورية الاشتراكية وأى الأحداث التى حدثت كانت قاتلة.

ولنبدأ من 11 مارس 1985، حيث جرى تعيين ميخائيل جورباتشوف سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعى السوفيتى، وبمجرد وصوله للسلطة وضع نصب عينية هدفا طموحا وهو إحياء اقتصاد متعفن متحلل لا يقوى على المنافسة، غير أن أول إصلاحات قام بها جورباتشوف لم تأت بنتائج ملحوظة. حينها قرر السكرتير العام الاتجاه إلى ما عرف “سياسة الجلاسنوست” (سياسة المكاشفة)، وفق تفكير جورباتشوف يكفى إعطاء المواطن السوفيتى جرعة حرية كلمة، هذا سيجعلهم يكفوا عن مناقشة مستقبل الحزب الشيوعى، وحينها سنبحث معاًعن طريق للخروج من حالة الركود المستمرة فى البلاد منذ عصر بريجنيف.

“مكاشفة” السكرتير العام أتت بتأثير عكسى. لقد تم إعطاء الشعب حرية بالفعل، لكن بدلاً من إدانة المنظومة الغربية، انقضوا بلا رحمة  بالنقد على السلطة السوفيتية، ووسائل الإعلام التى نفضت عن نفسها الرقابة، بسرعة ركبت موجة الديموقراطية والإصلاحات. مسمار آخر دق فى مستقبل اليوتوبيا الشيوعية ومن ثم قرر جورباتشوف الإعلان عن ما يسمى البيريسترويكا (إعادة البناء). على أساس الأخيرة أراد السكرتير العام العمل بنظام اقتصاد السوق الحر فى قطاعات الدولة المختلفة. لكن جورباتشوف تردد فى السير فى طريق اقتصاد السوق للنهاية، بعمل إصلاحات راديكالية. فى بعض الأسواق تم إلغاء عملية السيطرة على الأسعار التى كانت سائدة فى الدولة، لكن بيروقراطية الدولة المتغلغلة أحبطت كل جهود السكرتير العام وأعادتها للمربع صفر، وكانت البيروقراطية تحتفظ بمفاتيح الحل والربط وتسيطر على مفاصل الدولة وأجهضت على كل محاولات الإصلاح، إن لم تكن مفيدة لهم وعلى هواهم.

فى عام 1986 سقط الاتحاد السوفيتى فى مصيدة النفط. للمقارنة خلال فترة امتدت لأعوام قبل ذلك، كان سعر برميل النفط 120 دولارا، لكن فى مارس 1986 انهارت أسعار النفط، لتصل إلى 24 دولارا للبرميل، من هذه الضربة لم تستطع ميزانية الدولة أن تتعافى، ففى بداية الثمانينيات كان الاتحاد السوفيتى من كبار منتجى النفط والغاز على مستوى العالم، لكن بعد 1986 تغير الوضع، وباعتراف جورباتشوف فى كتابه “وحيداً مع نفسى” أشار إلى أن السعودية زودت انتاجها من النفط مما أدى إلى انخفاض حاد فى الأسعار، وكان ذلك بإيعاز من الولايات المتحدة لاستنزاف الاتحاد السوفيتى الذى كان متورطاً فى افغانستان، والسعودية والولايات المتحدة كانتا الداعمتين الرئيسيتين للمقاتلين الأفغان.

فى المحصلة النهائية الدولة التى كان اقتصادها يحتل المرتبة الثانية على مستوى العالم عام 1990، أصبحت أرفف المحلات فارغة من السلع بكافة أنواعها، وصار شراء ملابس جيدة فقط من خلال المعارف، حتى اللحمة لم يكن من الممكن شراؤها بدون شخص يعمل فى المجزر، وغير من هذا القبيل لشراء سيارة أو سلعة من السلع المعمرة كان عملية شاقة.

ثم تأتى حرب أفغانستان التى وصفها جورباتشوف بالخطيئة الكبرى، والتى جعلت الإنفاق على الجيش أكثر مما ينبغى. فى تلك الفترة كان رئيس الولايات المتحدة رونالد ريجان الذى بدأ حياته السياسية فى الحزب الديموقراطى، وانتهى به الأمر جمهورياً، وهو الذى أطلق على الاتحاد السوفيتى “امبراطورية الشر”، ووصف النظام الاشتراكى بأنه نظام “لا أخلاقى”، وجر الاتحاد السوفيتى إلى سباق تسلح باهظ التكاليف متمثل فى حرب النجوم، وكان السوفيت ينفقون 20% من الناتج الإجمالى المحلى على التسليح، وعلى حساب الانفاق الضخم على التسليح، حافظ السوفيت على رواتب جيدة للعسكريين وحدودهم كانت قوية ومصونة. وكما نعرف أن مهندس توريط السوفيت فى أفغانستان كان زبيجنو بريزجينسكى مستشار الرئيس كارتر للأمن القومى، وحينها قال “فليحصل الاتحاد السوفيتى على فيتنامه” فى إشارة إلى مساعدة السوفيت لفيتنام فى هزيمة الولايات المتحدة.

ورغم ما اتخذه السوفيت من إجراءات إلا أنها لم تكن كافية لأن يحقق السوفيت نصرا حاسما فى أفغانستان، واستمرت الحرب عشر سنوات من 1979 حتى 1989، ويعتبر محللون أن هذه الحرب كانت أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفيتى، وهو الذى جعل جيشه الرايخ الثالث يجثو على ركبتيه أمامه، لكنه عجز أمام دولة آسيوية فقيرة. خسر السوفيت حوالى 15 الف جندى وفى رواية أخرى 26 ألفا، وكان السوفيت ينفقون من 2 إلى 8 مليارات دولار على الجيش، وهذا مبلغ كبير بمقاييس تلك الفترة. لكن عام 1989 وفى المؤتمر الثانى لنواب الشعب اعترفت موسكو بأن التدخل فى افغانستان يستحق الإدانة السياسية والأخلاقية.

مما سبق نجد أن الحديث عن سبب محدد لانهيار الاتحاد السوفيتى مسألة صعبة، كما قال روسلان حسبولاتوف رئيس مجلس السوفيت الأعلى فى روسيا بعد الاستقلال فى مقابلة معه، وأضاف لما ذكرنا من أسباب، “إن الضربة فى أساسات الاتحاد السوفيتى جاءت من داخله وبالتحديد من القوقاز، مشيراً إلى أن أصداء هذه الأحداث مازالت تتردد عند الحدود الروسية”. وأشار حسبولاتوف إلى النزعة الانفصالية عند الأرمن ظهرت عام 1988، وذلك عندما طلبت أرمينيا إعطاءها ناجورنو كارابخ، بعد ذلك بدأ اضطرابات على أساس قومى بين الأرمن والأذريين ومات مواطنون كثر، ما أدى إلى هروب الأرمن من أذربيجان، رغم أن هذين الشعبين الأرمينى والأذربيجانى عاشا على مدى مئات السنين جنباً إلى جنب.

إزاء تلك الأحداث، لم تظهر القيادة السوفيتية الحزم والصلابة المطلوبين، وتبين أن السلطة المركزية غير جاهزة لمواجهة نزاع بين قوميتين، وكان نتيجة هذا أن استنتجت بقية الجمهوريات درساً مهماً وهو أن السلطة عاجزة، وأنه من الممكن فعل أى شيء، قبل هذه الأحداث لم تكن جمهوريات البلطيق الثلاث (لاتفيا وليتوانيا وإستونيا) حتى تستطيع أن تهمس بفكرة الانفصال، كل ما كانوا يريدونه هو استقلال اقتصادى وحصلوا عليه فى مؤتمراتهم، ووقف جورباتشوف حينها أمام تنفيذ هذا بقوة، لكن بعد عام 1988 وبعد أحداث أرمينيا وأذربيجان، لأول مرة تحدثت جمهوريات البلطيق عن الحرية السياسية، وظهر ضعف وهزال وعدم حسم جورباتشوف، من المعروف أن جمهوريات البلطيق انضمت للاتحاد السوفيتى عام 1939، وكانت من قبل دول مستقلة وأعضاء فى عصبة الأمم، ولذلك طالب الغرب بمنحها الاستقلال، كشرط لتقديم مساعدات لموسكو، عندما كان الاتحاد السوفيتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، وكانت أول دول استقلت عن الاتحاد السوفيتى وأول من اعترف باستقلالها كان روسيا بقيادة يلتسين.

ويكفى أن نقول أنه فى عام 1991 كان الاتحاد السوفيتى أكبر دولة فى العالم من حيث المساحة، أكثر من 22 مليون كم مربع، سدس مساحة الكرة الأرضية، كان الاتحاد السوفيتى يضم فى ثناياه حوالي 100 قومية وعدد سكانه 290 مليون نسمة، ومن خلال حلف وارسو كان الاتحاد السوفيتى يبسط تأثيره وسيطرته على كل أوروبا الشرقية، وعدد لا بأس به من دول آسيا وأفريقيا من خلال المساعدات التقنية والاقتصادية التى كان يقدمها.

على أى حال كثير من الدول تفتقد دولة السوفيت الآن فقد كان بلا أدنى شك عنصر توازن فى العالم، وهنا أستحضر مقولة الزعيم الهندى نهرو عندما قال: “لو لم يكن الاتحاد السوفيتى موجوداً لخلقنا اتحاد سوفيتى”.ومازال العالم يحاول خلق اتحاد سوفيتى، باسم الصين أو روسيا أو حتى الاتحاد الأوروبى لكن للأسف يبدو أن الإيديولوجية كانت لها فعل السحر فى منظومة الحرب الباردة.

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق