عيدعبدالحليم يكتب:وحيد حامد.. التنوير بالدراما ولغة الصورة

245

وحيد حامد.. التنوير بالدراما ولغة الصورة

*بقلم عيد عبد الحليم

لم يكن “وحيد حامد” مجرد مؤلف درامي وسيناريست, بل كان أحد التنويرين الشعبيين, ممن امتد أثر كتابتهم إلي ملايين المشاهدين, ووصلت رسالته الفنية الي قطاعات مختلفة من أبناء الشعب العربي.

خرج من رحم النخبة المثقفة, ليفتح بإبداعه آفاقا مغايرة من أجل تحريك العقل, وإيقاظه , وجعله- دائما- في مرمي الرؤية , بعيدا عن أي تبريرات لتيارات ظلامية حاولت أن تأخذ العقل المصري إلى مجاهل النسيان.

لكن الله قدر لهذا الوطن كتابا وشعراء وفنانين شربوا من نهر الحرية, ليدافعوا عن مقدرات هذا الوطن العقلية والإنسانية,  كان من هؤلاء “وحيد حامد”, الذي تعد كتاباته- في مجال السيناريو- درسًا عميقًا في الحرية ومواجهة الفساد, والدعوة الي المعرفة الكاملة, مهما كان ثمن الوصول إليها.

صدمة المدينة

الفتي الذي ولد في محافظة “الشرقية”  عام 1944 , وجاء الي القاهرة التي وصفها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي “مدينة بلا قلب” جاء إليها “حامد” عام 1963 ليلتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة, وامدت صدمة المدينة الفتي القروي بطاقة مقاومة, وطاقة حب أيضًا للأرض والانسان, فراح يملأ فراغ وقته بالقراءة الجادة, في كافة مجالات المعرفة, جذبته في البداية المدرسة الادبية الروسية بأعلامها الكبار “تولستوي” و”تشيخوف” ,”مكسيم جوركي”, وافتتن بالرؤية المسرحية “شكسبير”, وبدأت موهبته القصصة تتفجر, وصدرت أول مجموعة قصصية له تحت عنوان “القمر تقيل عاشقة”, وكان يتمني أن يواصل الطريق الذي بدأه “يوسف إدريس” في لغة التجديد القصصي,  ومن هنا- من هذه النقطة تحديدا- كان التحول الأكبر في حياة “وحيد حامد” , فعندما ذهب لمقابلة “يوسف إدريس” بعد صدور مجموعته القصصية – في أوائل سبعينيات القرن الماضي- ليبارك تجربته, إلا أن “إدريس” لمح في كتابته جانبا آخر, يختلف عن السرد القصصي ألا وهو العمق الدرامي وتشعباته, فنصحه بأن يترك كتابة القصة القصيرة, ويتجه الي كتابة الدراما, وهو ما فعله “حامد” ونجح فيه ليصبح أحد فرسان الكتابة الدرامية في العالم العربي في العصر الحديث.

الكاتب الموقف

ولأن الكاتب موقف, فإن ثقافة وحيد حامد العميقة والمتنوعة, والساعية دوما الى تأكيد الهوية, بما تحمله من عناصر وطنية فريدة, جعلته صاحب موقف واضح في كل ما قدمه من أعمال سينمائية وتليفزيونية وإذاعية.

فكل أعماله تمتاز بالرصانة وقوة الهدف الدرامي, وشدة الدلالة, وعمق المضمون, والخلفيات الاجتماعية والسياسية وراء كل نص كتبه.

فلم يجار طبيعة “السوق” والانتاج السينمائي السائد بل كان- دائما- يغرد- وحده- خارج السرب, ونظرة سريعة علي أفلامه مثل “البرئ” وهو من أقوي الافلام وأجرأها في مناقشة فكرة “الاعتقال السياسي”, وقد تجمعت لهذا الفيلم- رغم مصادرته ومنعه من العرض لسنوات- كل عناصر النجاح, السيناريو المميز, لوحيد حامد, والإخراج المتمكن لعاطف الطيب, والاداء التمثيلي الرائع لأحمد زكي وممدوح عبد العليم ومحمود عبد العزيز والموسيقي لعمار الشريعي.

ثنائيات فنية

وشكل “حامد” مع عادل أمام ثنائيا رائعا بداية من المسلسل الناجح في نهاية السبعينيات “احلام الفتي الطائر” اخراج محمد فاضل, مرورا بمجموعة من اهم افلام السينما المصرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات مثل “المنسي” الذي ناقش فيه العلاقة بين الهامش الاجتماعي, وفساد الطبقة البرجوازية, كذلك “اللعب مع الكبار” و”الارهاب والكباب” و”طيور الظلام”, والفيلمان الاخيران يناقشان –بجرأة تغلغل التيارات الظلامية في المجتمع المصري في فترة من الفترات- وكيفية مواجهة هذا الظلام الذي استشري كثيرا في المجتمع, وان غلفت الحوار والسيناريو بعض الجمل الكوميدية, إلا أنها “كوميديا سوداء” , او ما يمكن ان نسميه “المقاومة بالسخرية”. ولا يمكن ان ننسي افلامه ذات البعد الاجتماعي ومنها “الدنيا علي جناح يمامة” و”احكي يا شهرزاد” و”عمارة يعقوبيان” و”اخر الرجال المحترمين” و”المساطيل” و”انتخبوا الدكتور سليمان عبد الباسط”. حتي في افلامه – التي تبدو وللوهلة الاولي- أنها تنتمي للتيار الرومانسي نجد فيها رسالة اجتماعية ايضا, كما حدث في افلام “نور العيون”, و”الاولة في الغرام” و”ديل السمكة” و”غريب في بيتي”.

وامتد هذا الخيط الدرامي المقاوم- ايضا- في كثير من المسلسلات التليفزيونية التي كتبها “وحيد حامد” ومنها “العائلة” بطولة محمود مرسي وليلي علوي, و”الدم والنار”, و”اوان الورد” و”الناس”و ومسلسله “الجماعة” باجزائه, – وهو اخر اعماله – الذي اثار جدلا واسعا, خاصة من جماعة الاخوان المسلمين حيث يكشف المسلسل تاريخهم الدموي, منذ نشأة الجماعة في عشرينيات القرن الماضي وحتي الآن.

كانت رحلة “وحيد حامد” مع الدراما- والتي امتدت لنصف قرن, رحلة كاتب أحب الكتابة وأخلص لها, ومنحها كل حياته, لأنه اعتبرها رسالة وموقفا من الحياة, فمنحته الكتابة حب ملايين المشاهدين.

فهو أحد البنائين العظام في صرح الدراما العربية, الذي ستبقي اعماله خالدة, بخلود المبادئ والمواقف الانسانية الشريفة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق