نسمة تليمة تكتب:رسالة لن تصل إلى أستاذ وحيد حامد

167

رسالة لن تصل إلى أستاذ وحيد حامد

*بقلم نسمة تليمة

 توجهت إلى فقدك صامتة تمامًا، وبخاصة مع بدايات عام جديد، ساعاته الأولى أرقدت أبى فى عناية مركزة، يرن فى أذنى كل ما قلته لى، كلماتك الأخيرة معى 10 ديسمبر الماضى، حين وعدتنى بمكالمة تليفونية للقاء قريب فى المكان نفسه الذى شهد كل تدويناتك على النيل، يرن فى أذنى حمدك لله حين أخبرتك أن الجميع يحتفى بك فى السوشيال ميديا، وأنهم فرحون لاستحقاقك التكريم، وأرى آخر رسائلك التى ترد بها على معاكساتى المستمرة، وإزعاجى لك عبر الواتس آب كلما وجدت جملة حوارية لك أو صورة أو صوتًا فى الراديو، فتكتب لى “صباحك عسل يا نسمة.. يا رب تكونى فى أحسن الأحوال”، وكيف كان رد فعلك حين تجرأت وأشركتك فى أحد أحلامى الساذجة، حين قررت إخبارك به علها تكون إشارة جيدة لك؛ حيث كتب اسمك على أفيش فيلم لأحمد حلمى، فتضحك، وتسأل فى حماس عن تفاصيل الحلم، وتتعجب قائلا: “غريبة”.

الكاتب الكبير وحيد حامد مع محررة “الأهالي” نسمة تليمة ..

أضع سماعة هاتفى فى أذنى، وأعيد سماع (70 دقيقة) هى مدة لقاء أصبح فوق خط الحوار الصحفى بالنسبة لى، أبكى فى كل سؤال، وأردد داخلى “لم تعلم بأن هذا اللقاء كان سببًا فى الكثير من السعادة وعودة الثقة فى الأيام والقلم والورق”. أدون من جديد الكثير من العبارات كما لو كنت أفرغ الحوار من جديد، وأجدها عبارات تستحق أن أعود إليها دائمًا، “ممكن أكون صاحب رأى خاطئ، لكنى تعاملت مع المهنة بإخلاص شديد وأمانة مطلقة”، “اللى عملته كنت مؤمن بيه”، “ما ينفعش حد يتحكم فى الشغلانة، أنتى فاهمانى كويس”، “أنا سعيد أن جزءا كبيرا من الناس قادرون على ان يستوعبوا شغلى وعارفين أنى لم أغشهم”… أتذكر جيدًا المرة التالية للحوار بعد إمضاء تعاقد الجزء الثالث من (الجماعة)، حين قابلتك فى جلسة العمل الأولى، بحضور مخرج المسلسل، وأحد القيادات الأمنية المتقاعدة المشتبكة فى فترة مع أعضاء الجماعة، واستماعك الجيد للحكايات، وتدوينك لمفاتيح لا يعلمها سواك، وتساؤلاتك الكثيرة المحرجة للمصدر أحيانًا، أتذكر ثقتك والسماح لى بالجلوس والاستماع لما يدور، مع التنبيه أن ما سمعته أسرار عمل بعد تقديمى المغلف بالثقة والمحبة والثناء على عملى من باب “أن يطمئن ضيوفك لى”، ووعدى لك بألا أنشر أى كلمة مما سمعت أو حتى اسم المخرج الذى لم يكن أُعلن عنه بعد. أتذكر حين أوصيتنى بأن أتعامل مع ابنتى كما تتعامل الطيور مع صغارها، وكما تعاملت أنت مع ابنك المخرج مروان حامد، ووضعت معادلتك لى أمام عينى “أتعامل مع مروان معاملة الطيور لأولادها.. أول ما يبقى لهم ريش أسيبهم يطيروا بعيد”.

أتذكر سعادتك البالغة بالتكريم الأخير وسعادتك بأحد المقربين إليك حين أرسل لك إحدى حلقات مسلسلك الإذاعى المكتوب عام 1974 (الفتى الذى عاد)، وإخراج مصطفى أبو حطب. وكيف تأثرت به ووصفت الرسالة بـ”اللذيذة والمبهجة”، وحين سألتك: لماذا لم تعد تكتب للإذاعة؟ أجبت “مش هالاقى الناس دى”. أتذكر سؤالك لى عن الأفلام التى أفضلها، وتوقفك عند اسم (كل هذا الحب)، وتعليقك “لازم تحبيه طبعًا”، ثم تتبع التعليق بتعليق آخر مبتسمًا (والإنسان يعيش مرة واحدة). أتذكر لحظات التأمل التى كانت تنتابك فى كل مرة أطرح سؤالًا وتريد أن تقول الكثير؛ فتكتفي ببضع كلمات صغيرة تتبعها بتعبيرات تحمل إجابات أكبر، مثل “أنتى فاهمانى كويس”، “بس دى الإجابة”. أستاذ وحيد حامد أتذكر كل التفاصيل الصغيرة التى صنعت معادلة محبتى لك خلال عام بشكل مباشر بعد لقائى الثانى بك، بخلاف تشكيل الوعى الذى تسببت فيه لى ولأبناء جيلى وأجيال كثيرة، التفاصيل التى تجعلنى أقبل تناقضات الفرح والحزن وتبادلها المريب فى حياتى. أكملت ارتداء ملابسى وكل هذا يدور فى عقلى، وقررت أن ألحق وقت الوداع وتوجهت إلى الجنازة، فما زال موعد زيارة أبى عصرًا، فى الطريق أرسلت إليك (يس)، ودعوات ودموع وجدت داخل مشهد وداع ميزه هدوء يليق بك، الجميع يبكى وشقيقتك تناديك، وتلاميذك وأصدقاؤك فى حالة من الحزن المغلف بالتسليم، كما كنت فى الحقيقة هادئًا فى رحيلك.. كنت هادئًا فى الواقع، قد يذهب الناس إلى الأبد حين يشعرون بالرضا ويعبرون عن ذلك كما فعلت أنت حين أخبرتنا جميعًا فى سلام “أنا حبيت أيامى”، أتمنى لك عالمًا جديدًا رائعًا يا أستاذ وحيد، عالمًا سعيدًا أكثر عدلًا، ليس به خطط للكتابة كما أحببت هنا تجلس داخله رائق المزاج، كما كنت على منضدتك وأمامك الشاى الأخضر، تصادف بداخله أبطالك كما صادفت مصور الفوتوغرافيا على كوبرى قصر النيل فجعلته بطلًا لصورة ظلت “حلوة”، وسأظل أرسل إليك دعوات ومحبات حتى نلتقى، وكلى ثقة أن حروفك التى دونتها” اللى عملته كنت مؤمن بيه”، ستصحبك إلى الأبد، لتكتب سطرين وتتأمل كثيرًا فى نهر بعيد قد لا يختلف كثيرًا عن النهر الذى ظللت إلى جواره، محققًا معادلة خاصة بك، وعلى طريقة الشارع الذى أحببته وعبرت عنه “يجعلها أبرك الليالى عليك يا أستاذ وحيد”، كما دعا لك رجل بجلباب لا أعرفه، لكنه لحق اليوم صفوف الصلاة عليك وهو حزين.. شكرًا على الباب الذى فتحته لى وإلى لقاء يا أستاذى العزيز جدًا.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق