في ظل اللحظة الثورية هل يخرج المثقفون من عزلتهم؟

22

تحقيق: أمل خليفة

الشخصيات المؤثرة في المجتمع تلعب دورا محوري في توجيه الرأي العام . وتختلف نوعية هذه الشخصيات وفق ما يمر به المجتمع من تطورات و حراك سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي . فتظهر وجوه وتختفي أخري مما يجعلنا نتساءل عن دور المثقف في الوقت الحالي وكيفية تفعيل هذا الدور لخدمة المجتمع.

يقول الكاتب شريف الشوباشي عندما بدأت تنتشر الصحافة في بداية القرن العشرين كان المثقف هو الشخصية التي تؤثر في المجتمع فعندما يكتب طه حسين كتابا عن الشعر الجاهلي فيكتب علي عبد الرازق كتابا عن الإسلام وأصول الحكم ويكتب قاسم آمين كتابا عن ” المرأة ” كل هذا كان يؤثر في المجتمع ثم في منتصف السبعينيات بدأ دور المثقف ينحسر ويظهر دور رجل الدين الذي أصبح هو الشخصية المؤثرة في المجتمع وأصبح ” الجامع تأثيره أكبر من الجامعة ” وصار الضيف الرئيسي الموجود في التليفزيون هو الشيخ أو رجل الدين وأصبح الشيخ الشعراوي والشيخ عمر عبد الكافي هما طه حسين وعقاد نهاية القرن العشرين . بمعني إنهم يؤثرون وهذا هو التطور الكارثي الذي تسبب في حدوث التراجع الثقافي والحضاري . ولقد بدأ دور المثقف يعود شيئا فشيئا وتراجع دور رجل الدين وأصبحنا في مرحلة إنتقالية جديدة . ولكي يكون هناك دور للمثقف لابد أن يكون هناك مثقف . فنحن لدينا أزمة في المثقفين ولم يعد لدينا رموز مثل أحمد لطفي السيد أو مصطفي لطفي المنفلوطي أو العقاد و لويس عوض وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرهم وهذه أزمة كبيرة ولكي يؤثر المثقف يجب أن يكون اولا مثقفا. هناك ازمة في المثقفين وهناك تسميات جديدة ظهرت مثل الناشط السياسي والمحلل السياسي والخبير الاستراتيجي والفقيه الدستوري وغابت فكرة المثقف الذي له وجهة نظر ورؤية لتطور المجتمع ولديه عقيدة و برنامج ثقافي وليس سياسيا لهذا المجتمع . ولكن بتفاعلات هذه الثورة التي لم تنتهي بعد حيث إنها عملية مستمرة لسنوات طويلة شأن باقي الثورات الكبري مثل الثورة الفرنسية والثورة السوفيتية حتي تثمر سيظهر من هذه البوتقة مثقفون جدد وسيكون لهم دور فعال . فالموضوع عملية تفاعلية ستأخذ وقتا ورغم هذا انا متفائل بأن المثقف سيستعيد دوره الذي فقده في نهاية الستينيات .

ويستطرد الشوباشي قائلا: المثقف فقد دوره لصالح رجل الدين . واليوم إنسحب البساط من تحت رجال الدين ولم تعد الناس تثق فيهم كالسابق حيث كان رجل الدين هو المرجعية الأولي والأخيرة سواء في الجامع أو في التليفزيون الذي يتحدث ويوجه الناس .اليوم سقطت عنه صفة المرجعية وبالتالي لابد من وجود مرجعية موثوق فيها لتملأ هذا الفراغ وليس هناك أجدر من المثقفين علي أن يتسلحوا بالثقافة الحقيقية وتكون لهم رؤية مستقبلية من أجل أن يلعبوا دورا في أن تتوصل هذه الثورة إلي أهدافها التي قامت من أجلها وهي ” الديمقراطية والمساواة الحقيقية بين الجميع واحترام حقوق الإنسان وحقوق الاقليات وغيرها من القيم من الذي سيشرح الناس هذه القيم .

ويضيف الشوباشي علي سبيل المثال هناك من يعتقد إن الديمقراطية هي صندوق الاقتراع وذهاب الشخص للانتخاب هذا غير صحيح فهذه بداية الديمقراطية ثم تأتي ممارسة الديمقراطية وهذا يحتاج إلي من يقوم بتوعية المواطن المحروم من ممارسة الديمقراطية منذ قرون طويلة أن يعرف ما معني الديمقراطية .فهناك 99,9 % من الناس بما فيهم كبار الاعلاميين لا يعرفون ما الديمقراطية وما عناصرها والركائز التي تقوم عليها ومن هنا أقول لا يوجد غير المثقف يقوم بهذا الدور حتما ولكن قد يأخذ بعض الوقت فكما تبلورت في عصر النهضة و بفضل البعثات التي كان يرسلها محمد علي لأوروبا في حوالي 60 عاما حتي ظهر قاسم آمين ومحمد عبده وغيرهما. وهذه المرة لن ننتظر طويلا لأن إيقاع الحياة ووسائل الأعلام وغيرها اختلف.

تقول الكاتبة مني أبو سنة ليس للمثقف دور في اللحظة الراهنة حيث إنه تنازل عن دوره منذ زمن وأصبح غائبا تماما لأنه تخلي عن وظيفته الحقيقية في توعية الجماهير وتنويرها بأهمية دورها ومدي فاعليتها وهذا لم يحدث وبالتالي تجاوز الشباب المثقفين واستطاعت الجماهير ان تكتشف بنفسها وبدون أي توجيه أو توعية من المثقفين إن إختيارهم للإخوان كان خطأ . واكتشفوا هذا بالتجربة وليس بفضل المثقفين وبالتالي المثقفين خارج المشهد والمعادلة تماما وليس لهم أي دور والدور حاليا في يد الشباب الذين يعملون بدون قيادة فكرية . ولذلك نحن في إنتظار مجموعة جديدة من المثقفين تخرج من الميدان . ولقد انحصر دور المثقفين في رد الفعل فقط وذلك بسبب عدم امتلاكهم رسالة لتغيير المجتمع فهم لا يريدون ان يعملوا ضد تيار مضاد .

ويقول دكتور حسن طلب دور المثقف في هذه الايام دور مزدوج بمعني دور مضاعف لأن المثقف عادة كان في بعض الفترات العادية التي تكون مرت علينا كلنا يناضل بقلمه او بفنه او بريشته أي كان هذا الفن . فهو منتج ثقافة ونضاله مرتبط بالمجال الذي هو تخصص فيه أو الذي إختاره ويناضل بفنه او بكتابته أو بشعره او بنقده يناضل بقلمه في المنابر المختلفة المتاحة ولكن في هذه الايام أصبح هذا لايكفي أصبح علي المثقف ايضا أن يناضل ايضا بجسده وليس بفكره فقط بل لابد ان يتواجد مع الناس الذين يطالبون بحقوقهم ويتواجد في الميادين وفي الشوارع مع كل مضطهد وكل مظلوم وكل باحث عن الحرية . اصبح الدور دورا مضاعفا لأن في الفترات الفارقة العصيبة التي نحن فيها الآن أصبح مطلوبا من المثقف أن يتواجد بشحمه ولحمه وليس بقلمه وفنه فقط أن يلتحم بالناس وأن يكون جزءا من حركة الشارع وان يحتج كما يحتج غيره من الناس وأن يصل بصوته إلي من كان لا يستطيع أن يصل إليه بالقنوات العادية . لابد ان يحتج ويندفع إلي الحرية يدافع عن المسجونين والمضطهدين والذين يقتلون ويعذبون ويغتصبون وهذا ليس بقليل . اصبحنا الآن نحتاج إلي أن يكون العدد كبيرا المثقفون الذين يكتفون بالنضال بوسائلهم العادية مطالبون ايضا أن ينضموا إلي حركة الشارع لأن مفهوم النضال عن طريق إنتاج الثقافة طويل الامد وليس لدينا ترف الانتظار حتي يتحقق هذا المفروض ليس لدينا ترف لان كل يوم نخسر قتلي ومشهداء ومعذبين ومسجونين ومهددين ومغتصبين . واصبح الامر نوع من الاستشهاد نوع من الحرب ضد كل قوي الظلام التي تحيط بنا من كل جانب .

يؤكد الشاعر شعبان يوسف أنه يجب علي المثقف أن يشارك الجماهير الشعبية في مسيراتهم وفي وقفاتهم وفي إحتجاجاتهم وفي نفس الوقت يكون متضامنا مع قضياهم الحقيقية وبعيدا عن الموائمة مع السلطة بأشكالها المختلفة . ويجب أن يبذل دورا في التوعية وفي التثقيف بشكل عام للمواطنين لكسر كل اشكال العزلة التي كان يعاني منها المثقف في الفترات السابقة بل الدور الذي من المفروض أن يلعبه المثقف في هذه الآونة لدينا مهمات كثيرة للمثقف مثل تعريف الناس بتاريخها وبالرموز الوطنية القوية مثل عبد الله النديم وأحمد عرابي وسعد زغلول ومصطفي كامل وغيرهم . لتعرف الناس القيمة الحقيقية لهذه الرموز ولمعرفة تاريخ بلادنا منذ أيام ثورة رشيد وثورة عرابي وثورة 52 وهكذا . بحيث إن الجماهير الشعبية تكون متصلة بتاريخها وتصبح هذه الثورة بنت تاريخ وضمن سياق كامل.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق