أمينة النقاش تكتب:عن التطبيع وخلافه

269

 ضد التيار

عن التطبيع وخلافه

أمينة النقاش

عادت قضية تطبيع العلاقات مع إسرائيل تطرح نفسها بقوة، بعد الخطوات المتلاحقة للتطبيع الإسرائيلى مع عدد من الدول العربية. ولا يفوت نتنياهو الفرصة لكى يعلن فى كل مناسبة أن التطبيع أضحى جزءا صغيرا من اتصالاته السرية والعلنية مع معظم الدول العربية ، وأنه   وياللعجب ،ليس مقابل أى شىء سوى السلام ، وهومايعنى  عدم العدوان على الدولة التى يقيم معها العلاقات. وهو يسعى لتوظيف  هذا «الإنجاز» بجانب أشياء أخرى، لرفع فرص فوز حزب الليكود فى كل انتخابات عامة  حتى يظل رئيسا أبديا للحكومة الإسرائيلية .  فضلا عن الدعم الذى قدمه له ترامب، بالاعتراف الأمريكى  غير المسبوق بسيادة إسرائيل  المزعومة على الجولان السورية المحتلة، بعد أن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل.وكان ترامب قد سبق اعترافه المتناقض مع  القانون الدولى ،باجراءات عدوانية ضد السلطة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطينى ،حين  أوقف الدعم  المالى لمنظمة  غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وللسلطة الوطنية الفلسطينية، وأغلق مقر منظمة التحرير الفلسطينية فى واشنطن، لكى يحذف من التفاوض المستقبلى حول حقوق الشعب الفلسطينى، قضية عودة اللاجئين والقدس، وليصبح مصير العرب داخل إسرائيل  الذين يبلغ تعدادهم نحو مليون وخمسمائة الف فلسطينى، وهو ما يوازى 21%من سكان إسرائيل، عرضة للتهجير والتمييز العنصرى، بعد قانون القومية اليهودية الذى أقره الكنيست الإسرائيلى قبل نحو عامين .

وأمس الثلاثاء انعقدت فى محافظة العلا بالمملكة العربية السعودية برعاية أمريكية ، القمة الخليجية الواحدة وأربعون فى ظروف بالغة السوء على المستوى العربى والإقليمى  والدولى ،ومثقلة بضغوط  غير مسبوقة من إدارة ترامب على دول المنطقة لصالح إسرائيل ، وليست مشاركة مستشار الرئيس الأمريكى جاريد كوشنر، فى أعمال القمة ،سوى فصل من فصولها ، ولما له من دور فى تطبيع إسرائيل علاقتها بأربع دول عربية خلال الأشهر الأخيرة ، من إدارة ترامب الراحلة ،التى باتت تبحث عن انجازات لها بعد خسارتها فى الانتخابات .

والقمة الخليجية الاستثنائية تعقد ،وطبول الحرب تقرع بين واشنطن وطهران ، والأخيرة تواصل تهديدها لدول الخليج ،وتمدد نفوذها من العراق مرورا بلبنان وسوريا واليمن وصولا إلى غزة ، عن التغيير المرتقب فى الرئاسة الأمريكية واستعداد إدارة بايدن لتولى أمور الحكم فى  البيت الأبيض  خلفا لإدارة ترامب .

وبعيدا عن البيانات الختامية المعدة سلفا والمنمقة بشعارات حماسية، لا قدرة لها على الوقوف  ثابتة على أرض صلبة،فلا تزال المملكة العربية السعودية ودولة الكويت تتمسكان برفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل إلا بشروط منطقية ، لعل من بينها الإدراك بأنه لا أمن ولا استقرار فى المنطقة  -وحتى لإسرائيل – دون التوصل لحل عادل للقضية الفلسطينية ، يمنح الشعب الفلسطينى كبقية شعوب الأرض ،حقه فى دولة مستقلة. وبعد أن صمتت المدافع ،أصبح  ربط تطبيع العلاقات مع إسرائيل بتلك الشروط ورقة الضغط  التفاوضية الوحيدة لدى العرب،وتزداد أهميتها الآن أكثر من أى وقت مضى ،بعد التعنت الإسرئيلى فى رفض أى حل عادل للقضية الفلسطينية . وليس من المنطقى أن يطالب العرب الولايات المتحدة بممارسة ضغط على إسرائيل لكى تعتدل ، فيما هم يتنازلون دون مقابل ،عن ورقة الضغط الوحيدة لديهم .!.

لقد أثبتت التجربة، خرافة أن الإقدام على التطبيع قبل التوصل لتسوية تضمن الحقوق العربية التى حددتها مبادرة السلام العربية فى 2002، بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ووقف سياسات الاستيطان، والجلاء عن مرتفعات الجولان المحتلة، سوف تشجع إسرائيل على القبول بها.

 لكن إسرائيل لم تقبل بها. وعلى العكس فقد أغرت تلك الخرافة  نتنياهو بفرض سياسة الأمر الواقع، والتهرب من استحقاقات السلام، وبات يتصرف بقناعة أن العرب لا  يشكلون تهديدا على أمن إسرائيل، والترويج لأوهام أن الخطر الوحيد عليهم هو التمدد الإيرانى، والمبالغة فى حجم هذا الخطر، الذى تكرس له حماقات السياسة الإيرانية من جانب ، والمصالح الإسرائيلية التى تسعى لمواجهته بالترويج لتحالف عربى ،لحماية أمن دول الخليج  من جانب آخر !.

لا أحد لديه الرغبة أن يحمُل القمة الخليجية فوق طاقتها ، لاسيما أن  ما آلت إليه حال الدول العربية من ضعف، وتراجع لا يمكن تجاهله . لكن المؤكد أن المملكة العربية السعودية بما تملكه من نفوذ ومكانة دينية وسياسية تستطيع أن ترهن التطبيع بشروط تتحقق قبل الإقدام عليه .ذلك  أن التنازل عن ورقة التطبيع، التى لم يعد العرب يملكون سواها فى مواجهة طغمة إرهابية حاكمة فى إسرائيل هو خطر ليس فقط على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، بل خطر كذلك على مصالح الشعوب العربية، ومصالح استقرار دولها وأنظمتها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق