فريدة النقاش تكتب:سحر وحيد حامد

401

قضية للمناقشة
سحر وحيد حامد
فريدة النقاش

“كنت ولا أزال ابنا مخلصا للشارع المصري” هكذا قال شاعر الدراما التليفزيونية والمؤلف السينمائي المتفرد وحيد حامد في أخر لقاء مع جمهوره إبان مهرجان القاهرة السينمائي قبل أسابيع قليلة وقبل أن يرحل هو نهائيا عن عالمنا بأيام.
وأضاف وحيد حامد إن شفرة التعامل مع الناس أن تكون صادقا معهم, ويختتم “وحيد” حديثه قائلا “حبيت أيامي”.
ترك لنا “وحيد حامد” عبر مسيرته التي امتدت لأكثر من نصف قرن تراثا هائلا بوسعنا أن نعكف علي دراسته سنوات وسنوات. ولا أعرف إن كان أساتذة وطلاب معاهد المسرح والسينما قد وجدوا في كتابة السيناريو وا لدراما الإذاعية والتليفزيونية مادة للدراسات الأكاديمية أم لا, ولكنني علي يقين أن هؤلاء الأساتذة والطلاب قد انتبهوا مبكرا للدور التنويري المحوري الذي تلعبه هذه الأشكال الفنية دائمة التجدد في حياة الجمهور العريض, وبخاصة من بسطاء الناس والأميين, وهم يبحثون عن مصدر للسعادة والاشباع الإنساني, وفوق هذا وذاك طرح الأسئلة التي تخاطب المسكوت عنه في بنية المجتمع المنقسم طبقيا والمحكوم أمنيا.
ظل “وحيد حامد” طيلة عمره الفني يسائل هذا البناء الذي يرى أصحابه وصناعه أنه أبدي وراسخ رسوخ الجبال, ولكن هذا الكاتب المبدع الموهوب يسخر من هذه الموثوقية, وهو يطيح بها ببساطة وصدق عبر نظرته إلي العالم والتي طالما تضمنت- في العمق رؤية فلسفية تشمل السياسة والاقتصاد وعلم النفس والعلاقات الاجتماعية والتي أخضعها “حامد” جميعا للنقد.
وهو لم يكن بوسعه أن يقدم كل هذا الإنجاز دون أن يعكف ويثابر علي تجديد أدواته وتعميق ثقافته, ومتابعة ما يحدث في العالم من حوله بذهن صاف وقدرة متألقة دوما علي أن يستخلص من العابر ما هو خالد, أي يستخلص ما سوف يبقي دائما ملهما لأسئلة جديدة يطرحها القادمون من بعده في سياق عالمهم واحتياجات مجتمعاتهم وهم يستنيرون علي هذا الطريق “بوحيد حامد” كقدوة ومثل أعلي.
ظل “وحيد حامد” قادرا علي أن يكون قدوة لكتاب الدراما الجدد لزمن طويل, ومن لم يفقد فيه بهاءه الذي ميزه الإخلاص الشديد لا فحسب لفنه وإنما أيضا للوطن والشعب وقد استلهم منها سواء علي مستوي التاريخ أو الواقع المتحول أبدا عالما جديدا طالما حلم هو أن يمشي علي قدمين ذات يوم.
وقدم لنا وحيد في هذا السياق – نحن معشر النقاد مادة بالغة الثراء عن هذا الواقع حين توقف بذكاء, واختار مداخل عديدة لاضاءة نقطة الضعف الأساسية التي تؤدي إلى العطب في هذا الواقع, فكعب أخيل كما رأه في بنية هذا الواقع هو الانقسام الطبقي الذي لم يخترع له أسماء بل جسده متجاوزا المعالجات النمطية الشائعة ليتفرد هو كجواهرجي شديد البراءة .
ورغم ما يبدو لنا – ظاهريا- من بساطة البناء والتناول إلا أننا نكتشف في كل عمل وفي كل شخصية أو حدث بعدا جديدا يسلط كشافات العقل والقلب علي خفايا العلاقات الاجتماعية, ويكشف لنا ببساطة عن جذور عمليات التجاوز الوهمي للانقسام الطبقي خاصة عبر استخدام الدين وبناء الأساطير، وهو ما بوسعنا أن نضع له عنوانا جامعا تزييف الوعي.
وتزييف الوعي هو الأداة السلسة لكل قوي الرجعية و الاستغلال لقمع الجماهير ذهنيا وروحيا, وهو ما يجعل قمعهم المادي بعد ذلك أسهل كثيرا, إذ ان فكرة الواقع القائم باعتباره هو الشيء الطبيعي تترسخ بنعومة ويسر. وما كان أبرع “وحيد حامد” وهو يفكك بسهولة ونعومة أيضا هذا الواقع “الطبيعي” ويفتح لجمهوره العريض بابا لطرح الأسئلة, والوصول إلي المخفي والمسكوت عنه, وبابا آخر للجدل حول المعني الذي يتراكم طبقات فوق طبقات في أعمال “حامد” كافة حيث سخاء هذا المعني الذي يتجدد مع تبدلات الواقع.
وغالبا ما يقودنا سخاء المعني في عالمه إلي التفرقة بين الصدق الواقعي والصدق الفني, واتصور أن علي كتاب الدراما التليفزيونية الجدد أن يتأملوا جيدا في هذا المفهوم لا في عالم “وحيد حامد” فقط وإنما أيضا في عوالم أسطوات الدراما التليفزيونية الآخرين من أسامة أنور عكاشة لمحفوظ عبدالرحمن, ومن فتحية العسال لمحمد جلال عبد القوي وعلي اختلاف مشاربهم ومواقفهم ومنطلقاتهم وموهبة كل منهم.
وما لن ننساه أبدا للراحل العظيم “وحيد حامد” وقفته الجسور أمام الاخوان المسلمين الذين خدعوا الناس طويلا بحجة دفاعهم عن الدين وسمو أهدافهم, وكشف هو حقيقتهم قبل أن يكتشفهم المصريون بعد العام المشؤوم الذي حكموا فيه البلاد. ومن أسف أن “وحيد” لم ينجز كل ما كان يحلم به في مسلسله البديع والمتقن حول هذه الجماعة.
يحق لمروان حامد أن يمشي فخورا لأنه ابن وحيد حامد، ويحق لنا أن نشاركه هذا الفخر لأنه ابن بار لمصر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق