رشدي سعيد.. العالم الذي جسّد عبقرية مصر

22

بقلم | سمير كرم

لا اعرف لماذا لم اتصور ابدا ان اكتب في رثاء الدكتور رشدي سعيد. حيويته فرضت علي شعورا بانه سيودعنا جميعا مع انه كان الاكبر سنا بيننا.

عرفت الدكتور رشدي سعيد في منتصف الستينيات من القرن الماضي في مصر كواحد من المع علمائها وفي الوقت نفسه من اعمق مفكريها الاجتماعيين. عدت فتعرفت عليه عن قرب اكثر في اوائل الثمانينيات من القرن الماضي في امريكا. والفرق كبير – كما يقول الفيلسوف برتراند راسل الذي يذكّرني به كثيرا – بين المعرفة المجردة والمعرفة بطريق “التعرف المباشر”. عندما واتت هذه الفرصة كان بداخلي شعور عميق بالاحترام له ممزوج بقدر من الوجل الذي يخص به التلميذ استاذا كبيرا وان لم اتتلمذ عليه ابدا. واعترف بانني اكن له شعورا بالتبجيل كتلميذ لاستاذه. واذا لم اكن تركت لديه هذا الشعور اكون قد اخفقت بشدة.

انه واحد من قلة كلما تعرفت عليه اكثر اكّدت الالفة معه قامته الفكرية والوطنية والشخصية. عرفت بعمق اكثر منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي الي اي حد يجسد رشدي سعيد كانسان وكعالم ومواطن مصري امتزاج الشخصية المصرية في ارقي تجلياتها بتاريخ مصر وجغرافيتها في آن واحد. كان في ضميره الثقافي امتزاج فريد بين معرفته العلمية التي لا تتجاوزها معرفة عالم آخر حتي زمننا هذا بالنيل وجغرافيته وتاريخه وشخصيته، ومعرفته الواسعة بتاريخ مصر من اقدم العصور حتي اعقد مشكلات حاضرها الاقتصادي-الاجتماعي-السياسي. ان ظاهرة امتزاج الاهتمام بالعلم الطبيعي والانساني والاهتمام بشجون الوطن ومستقبله واحدة من اندر الظواهر، بالاخص بين علمائنا. وليس هناك في تصوري من يمكن ان ينافس رشدي سعيد في متابعته الدقيقة والموضوعية لاحوال الوطن بينما كان لا يزال يتابع نشر معرفته العلمية العميقة بطبقات الارض المصرية وبمراحل حياة النيل وحياة شعب مصر علي ضفتيه.

لكن عدم تصديقي انني ارثي رشدي سعيد انما ينبع ايضا من واحدة من ابرز السمات الشخصية التي ميزته…فنحن بصدد عالم مصري ظل متوقد الذهن كلما اجتمع حوله عشرون او ثلاثون من اصدقائه مريديه كلهم اصغر سنا منه. كان قادرا علي متابعتهم بكل تركيز واهتمام واستخلاص استنتاجاته من طروحاتهم وآرائهم، خاصة فيما يتعلق بمعاني الاخلاص للوطن مصر وقضاياها واهلها. كنا بصدد رجل منتصب القامة بقدر من الزهو الشاب في حركته. والاهم بصدد وجه غيبت ابتسامته الدائمة كل اثر لسنوات العمر. هل اقول ان عمر الدكتور رشدي سعيد كان الف عام مستعيرا تعبير شاعرنا الراحل صلاح جاهين؟ لا اقول هذا لان عمره الفكري بعمق وامتداد عمر نهر النيل وطبقات الارض المصرية. ما أعرفه هو انه اول من يخطر ببالي حين اواجه اي سؤال معرفي، سواء تعلق بمصر والنيل بالماضي والحاضر بالعلم الطبيعي او العلوم الانسانية. احيانا ما كنت اساله في الفلسفة – تخصصي واساله في التصوف -الاسلامي او المسيحي او اليهودي – وأظن انه كان يعرف البوذية ايضا. وفي كل مرة اتلقي منه اكثر مما اتوقع. كنت اكتب مقالا عن غياب منطق اللغة في الدراسات العربية لابرهن علي ضرورة معرفة “سيمنطيقا” اللغة العربية ووضع اسس علمية لها حينما ظهر مقال للدكتور رشدي سعيد بعنوان مرفأ الذاكرة: عن الوطن والحضارة والعلم. كانت فيه اطلالة واسعة وعميقة علي ذكرياته. وفوجئت بان فيه ايضا فقرة عن اللغة العربية. قلت لنفسي اذن فهو علي دراية بالمشكلة وهو اقدر مني علي معالجتها. وأحجمت فعلا. هذا اقتباس قصير للغاية مما قاله:

“كان ولا يزال تعليم اللغة العربية بالمدارس المصرية، بل والعربية ايضا، متخلفا يلقن الطالب فيها قواعد النحو دون ان يتاح له فهم المنطق الذي يحكمها ويتعلم الكتابة علي انها مجرد رص للالفاظ ودون ان يكون للمعني فيها دور ويجبر الطالب علي الحفظ عن ظهر قلب مختارات من الادب القديم لا توجد لمعانيها اي علاقة مع اهتماماته. ومثل هذه المختارات كان ينبغي ان تكون من صميم اهتمامات اساتذة تاريخ اللغة لا الطالب الصغير”.

ان الكتابة عن رشدي سعيد لا تغني ابدا عن قراءته. فقط يمكن ان تخلق الحافز لدي من لم يعرف كتاباته في احوال مصر وقدراتها ومشكلاتها. ما اود ان اقوله هو ان التعريف بعالم مصري له هذه القامة في مجال العلم وفي حياة الوطن واجب له اهمية قصوي خاصة في المرحلة الحرجة الحالية.

لقد حظي هذا العالم المصري بتقدير في المحافل الاكاديمية الاوروبية والامريكية يتجاوز كثيرا ما لقيه ويمكن ان يلقاه في المحافل المصرية. وفي هذا السياق لابد ان نقول ان البرت اينشتاين لم تكن اراؤه في السلام والعدل الاجتماعي او المساواة توافق كثيرا اهواء او نزعات او مصالح السياسيين في امريكا، البلد الذي استقر فيه وانتج اهم نظرياته العلمية. ولكن هذا لم يمنع ابدا انتشار كتاباته السياسية والفلسفية والاجتماعية. ويستحق رشدي سعيد معاملة مماثلة في وطنه مصر. وقد نشر له في عام 2000 كتاب بعنوان “الحقيقة والوهم في الواقع المصري” احتوي علي فصل بعنوان ” مصر في القرن الواحد والعشرين”.

وتلخيص رشدي سعيد مهمة تكاد ان تكون مستحيلة. ويكفي ان اقول ان كتابه هذا بمثابة بيان علمي عن اوضاع مصر الراهنة وطبقاتها الاجتماعية ونخبها الحاكمة ومشكلاتها من الارض الي البيئة والثروات الضائعة والثروات الكامنة … الانسان المصري وقدراته والقيود التي تكبل استخدامه لها. اليوم – ونحن نودع رشدي سعيد – لابد من التأكيد بان قراءة كتاباته ضرورية لاستعادة الثقة بمكانة علماء مصر. وقراءة كتاباته في النقد الاجتماعي السياسي الاقتصادي ضرورة لوعي طريق التغيير نحو مستقبل ارقي لمصر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق