رئيس قطاع مياه النيل الأسبق د. عبد الفتاح مطاوع يكتب لـ”الأهالي”:حرب السمسم بين إثيوبيا و السودان و إرتيريا

616

سمعنا وقرأنا حديثاً عن حروب المياه، وحروب البترول، وحروب الغاز، في حوض النيل ومنابع ومصبات الأنهار، ومنطقة الشرق الأوسط، وشرق المتوسط، وسمعنا وقرأنا عن تاريخياً عن حرب الأفيون في الصين، وحرب الشاي في أمريكا، وفي الصين والهند أيضاً، فهل نسمع ونقرأ ونتعمق في الحروب الراهنة لنتعرف على صراعات الحدود الجديدة؟ لنكتشف أن الواقع يضيف للحروب التاريخية حرباً جديدة؟ هي حرب السمسم؟
إن جذور الصراع الدائر الآن على الحدود الإثيوبية السودانية، في العديد من مناطق التماس ترجع إلى العديد من الأسباب، ما ظهر منها و ما بطن، و يحمل اسم الصراع الراهن مفتاح باب مغارة على بابا، فهل يمكننا القول أن حرب الحدود الدائرة الآن بين إثيوبيا والسودان وإرتيريا هي حرب السمسم؟
فعادة ما تكون صراعات الحدود بين سكان دولها على مصادر الثروة، التي يراها كل طرف عند الجانب الأخر، و منها موارد الماء و الطاقة و الغذاء و الموقع الجغرافي و غيرها الكثير.
و يحكى لنا التاريخ عن حرب الأفيون في الصين، وعن حرب الشاي التي أعلنها الأمريكان على المستعمر البريطاني لهم، عندما قرروا عدم شرب شاي المستعمرات البريطانية، واستبدلوه بما اصطلح علي تسميته حتى الآن بالقهوة الأمريكاني أو أمريكان كوفي.

مناطق إنتاج السمسم حول سد النهضة:
إذا ما نظرنا إلى مناطق إنتاج محصول السمسم فى منطقة القرن الإفريقي، سنجدها تتركز في العديد من المناطق الحدودية بين إثيوبيا و السودان فى منطقة بنى شنقول، حيث موقع سد النهضة على النيل الأزرق، ومنطقة الغضارف السودانية حيث روافد نهر النيل الرهد و عطبرة و قبيلة الأمهرة الاثيوبية، وهي المنطقة التي شهدت مقتل ضباط و مجندين من الجيش السودانى من قوات وميليشيات إثيوبية، ومنطقة حميرا على الحدود السودانية الأرتيرية الإثيوبية حيث إقليم التيجراي الإثيوبي، وهي المنطقة التي تشهد حالياً اعتداءات من قوات أرتيريه بجانب قوات أثيوبية على مواطنين و قوات سودانية، حسب تصريحات سودانية حديثة قبيل زيارة نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق حميتو، إلى العاصمة أسمرا بإرتيريا في الثامن من يناير ٢٠٢١، و منطقة جانبيللا بنهاية نهري البارو و الأكوبو على رافد نهر السوباط، الذي يغذي النيل الأبيض على الحدود الإثيوبية مع جنوب السودان، بالإضافة إلى مناطق أخرى داخل دول القرن الإفريقي.

إنتاج السمسم في أراضي الزراعات المطرية:
معظم إنتاج السمسم يتم في مناطق الزراعات المطرية في منطقة القرن الإفريقي، حيث معدلات الأمطار تترواح ما بين ٥٠٠ إلى ٩٠٠ ميليمتر سنوياً، وعلى الأخص في أجزاء من مساحات شاسعة من ولاية الغضارف السودانية، و التي تبلغ مساحتها قرابة ١٩ مليون فدان، و هي تقارب ضعف المساحة الزراعية المأهولة في مصر، و بها ثروة حيوانية تقارب في أعدادها الثروة الحيوانية بمصر.
و بالإضافة إلى الزراعات المطرية، توجد بعض المساحات المحدودة من الزراعة المروية من محصول السمسم، يتم ريها من مياه نهر الرهد .
وأراضي زراعة السمسم تقع في سفوح الجبال و نهاية المرتفعات الإثيوبية عند الحدود السودانية، و مناطق السهول الفيضية في الفشقة و حميرا و بنى شنقول و جانبيللا، و التي سبق أن زرتها برحلتين بالطائرات المروحية الإثيوبية في العامين ٢٠٠٠ و ٢٠٠١ ، بالإضافة إلى زيارة منطقة الغضارف السودانية، سلة غذاء السودان في عام ٢٠٠٤.
ومدة موسم زراعة السمسم حوالي أربعة شهور، و مدة حصاده حوالي أسبوعين، و هي الفترة التي تحتاج إلى عمالة كثيفة، لجمع المحصول و تجهيز السمسم، أساساً للتصدير للعالم الخارجى في مصر و الصين و دول جنوب شرق آسيا و غيرها .

إفتح يا سمسم باب الحرب:
في منطقة القرن الأفريقي، تمثل عائدات مبيعات السمسم مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية المطلوبة لسداد الديون، أو لشراء اللوازم أساساً من سلاح و معدات و غذاء و دواء من الخارج، و ما خفي كان أعظم.
كما تمثل عمليات زراعة السمسم وحصاده أسواق للحصول على العمالة الكثيفة، أساساً من إثيوبيا فى مناطق إنتاج السمسم بالسودان، ولمساحات الأراضى الشاسعة بالسودان التي تعَود مُلاكها تأجيرها لمزراعين من إثيوبيا، والتي تجرأ مزارعوها من الأمهرة و التيجراي و ميليشياتهم المدعومة من القوات الإثيوبية على إحتلال منطقة الفشقة بولاية الغضارف السودانية، و حديثاً من القوات الأرتيرية على دعم القوات الإثيوبية في حربها ضد قوات الجيش السوداني و ملاك أراضيه.
من يتنازل عن أراضي إنتاج السمسم، هو أشبه بمن يتنازل أو يبيع كلمة السر، التي عرفها و عرفنا بها على بابا للحصول على الثروة الموجودة بالمغارة.

مستقبل قضية الحدود بالقرن الإفريقي:
سبق و أن تنبأ الخبراء من مجموعة الكوارث الدولية – قبل ظهور نتائج الحرب التي أعلنها آبى أحمد رئيس الوزراء الاثيوبي، و أوامره للجيش الفيدرالي الأثيوبي بالهجوم على إقليم التيجراي الأثيوبي – بأن منطقة القرن الأفريقي ستدخل في حروب إقليمية، و ها هي طبول تلك الحرب الاقليمية تدق، وتتأكد الحرب كل يوم من خلال تصريحات أحد الجنرالات الإثيوبيين بضلوع أرتيريا في المساعدة في الحرب ضد التيجراي، و تصريحات الجيش السوداني عن دعم الجيش الأرتيري للقوات الإثيوبية في مهاجمة القوات السودانية.
الغريب في حرب السمسم، أن تدّعى أثيوبيا على لسان مسئوليها أن هناك قوى إقليمية تشعل هذه الحرب، و يقصدون منها مصر، في حين أنهم ينسون أو يتناسون أنهم هم من أشعلوا كل الصراعات داخل حدودهم و خارجها مع جيرانهم .

و بناء عليه :
وبناء على هذه المعلومات، تكون الأسئلة المطروحة هي: متى يتم حسم صراعات الحدود المشتعلة بين إثيوبيا والسودان؟ وهل يمكن حسم مشكلات الحدود الإثيوبية السودانية دونما معرفة الأسباب الحقيقية للصراع؟
إن ثروة السمسم وأراضيه ومياهه وعمالته الكثيفة تقف كأسباب حقيقية خلف هذه الحروب الحدودية، والقوات الأجنبية المشاركة في حرب السمسم الحدودية هي تعبير عن تلك المصالح، لكن السياسة هي التي تقود هذه الحرب، وما الحرب إلا استكمال للسياسة واستمرار لها ولكن بأساليب عنيفة، فمن يوقف هذه السياسة التي تشعل حرب السمسم الحدودية في حوض النيل وفي القرن الأفريقي؟

*بقلم د. عبد الفتاح مطاوع رئيس قطاع مياه النيل الأسبق

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق