بائعة الأحلام لـ”أسامة علام”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

189

بائعة الأحلام
1
يبدأ يومي عادة بإزاحة ستارة النافذة الثقيلة ليكون وجودها أول شيء تقع عليه عيوني… فيتأكد شعوري بأن ما زال هناك إمكانية لإصلاح ما كان… وهي… . السيدة الغجرية بوجهها العجوز بلا زمن … الواقفة دائما على باب كتدرائية سان سرناه… . في نقطة ما من ضجيج الميدان… دائما تظهر في صور الزائرين كتفصيلة صغيرة مكملة … تفصيلة غير مهمة لكن لا تكتمل الصورة أبدا بدونها… الناس هنا اعتادوا وجودها هكذا… كشيء أبدي بعمر الكاتدرائية العجوز… تُشعر الكثيرين من زائري المكان بالقشعريرة فيتجنبوا حتى النظر لها … وربما يمرّ يوم كامل دون أن يتمنى أحدٌ لها يوماً سعيداً… لكنها لا تعدم سيدةً أو رجلاً عجوزاً مثلها يأتي بين الحين والآخر ليتحدثوا لها بانتباه يشبه الخشوع… ويمضوا بعد أن يتركوا لها ما تيسر في علبتها المعدنية الصغيرة… وهي لا تخفي أبدا ابتسامتها في وجه العيون التي لا تنظر لها… ملابسها دائما قديمة وقاتمة… الإيشارب الذي يغطي شعرها الأبيض تغير لونه الأسود إلى اللالون من كثرة استخدامه… لا أقارب ولا أصدقاء سوى تماثيل القديسين التي تطالعك صورهم في أول طلّة على بهو الكاتدرائية العملاقة… تعطيك صورتها الكاملة تخيلا على قدرتها على الارتفاع بقدسية لتحتل مكانها بينهم… وقبل أن تعلن شمس مدينة تولوز الفرنسية عن بداية النهار… تكون عجلات عربتها الخشبية الآتية من المجهول تصافح بلاطات الشارع الضيق المؤدي إلى مدخل الكاتدرائية… محدثة ضجيجها المكتوم الذي اعتاد عليه سكان الحي… حيث تكون نافذتى بوابة مفتوحة على عالم الميدان وعالمها… وفوق عربتها العتيقة مثلها والتي لا أعلم فيما كانت تستخدمها… مثبتة يافطة كرتونية مكتوب عليها بخط طفولي ولكن بفرنسية سليمة… نبيع الأحلام ونفسرها.

2
فى تلك الأيام البعيدة… كانت المنصورة هي بداية العالم ونهايته… . وكانت الصباحيات المدرسية التي أهرب فيها إلى براح الحياة بلا رقابة… انعتاقاً حقيقا نحو الحرية… تلفظنى بوابة المدرسة كطالب غير مهتم ومشاغب… فأجد نفسي أمام فيلا غيث بأساطيرها التي كانت ترعب ليالينا كمراهقين… فأقف بالساعات منتظرا مشاهدة العفاريت التي تسكن المكان… محمياً بنور النهار وضجيج السيارات… كنت متأكدًا أن العفاريت لا تظهر صباحا… وعلى يقين دائم بوجودها… . ووحيدا بحقيبتي المدرسية على ظهري… أدور في حلقات حول الفيلا القديمة لساعات وساعات… كان أصدقائي يتحدثون عن سيدة عجوز وحيدة تعيش هناك… لكن لا أحد شاهدها أبدا… هناك دائما كلب عجوز عملاق يراقب المارة بحكمة صمت… تنم أصوله عن جذور عراقة لم أشاهدها أبداً في كلاب المنصورة الضالة… والكلب العجوز الذي اعتاد على جولاتي اليومية.. لم يعد ينبح علي ولم أعد أصدق أنه مسكون بالعفاريت التي تلبس أجساد الحيوانات … وهكذا مرت الشهور وأنا أعيش كمجاذيب سيدي العيسوي… أستيقظ صباحا يقتلني الوجد حول الفيلا القديمة… ولولا أنه لا بدّ أن تعكر صفو العشاق دروب الحياة بقسوتها… ربما لكنت إلى اليوم أجلس بجوار فيلا غيث بعد ثلاثين سنة….. المدة التي تفصل بين الواقعة وكتابتى عنها… يومها كنا في فصل الشتاء وكانت السماء تمطر كأنها تنتقم من الأرض… وأسوار الفيلا لا شيء فيها يحمي من المطر… فقررت الهرب إلى ظلال العمارات العالية… والتي هناك بجوارها مكان لطفل هارب من المدرسة يحتمي من المطر…. لأكتشف المفاجأة…. بوابة الفيلا مفتوحة أمامي… نعم… البوابة العملاقة مواربة والكلب الضخم ينظر لي ويهز ذيله مرحبا… وبدلا من الهروب وجدتني أدفع الباب وأربت على الكلب الصديق فيصحبني إلى فيلا الأساطير…. ليبقى كل ما حدث حلم عمري الذي لم ينقطع أبدا عن زيارتي.

3
منذ أسابيع قررت أن أتحدث لها لأول مرة… ورغم أنَّ الفكرة كانت تخيفني… إلا أنها سكنتني كما سكنني الكثير من الأفكار المجنونة في حياتي …. فلم أستطع المقاومة… سأذهب إلى بائعة أحلام سان سيرناه وسأحكى لها… وسأنتظر تفسيرا ما… انتظرت حتى قاربت الشمس على الغروب… عندها تكون الأسر الفرنسية قد بدأت طقس التجمع حول موائد الطعام… ويكون الميدان قارب على السكون… عواميد الإنارة تلقي أشعتها على الوجه العجوز للغجرية فيزيده سحرا… فتقابل ارتباكي بابتسامتها التي طالما رأيتها من النافذة…
– لدى حلم قديم يزعجني ولا أجد له تفسيرا.
– يأتى الجميع بالأحلام إلى… لكنها قليلة هي الأحلام القديمة… أحلام كهذه تصيب أشخاصاً كتومين لا يفتحون قلوبهم للآخرين.
– أنا فعلا شخص يعتقد أن ليس لديه الكثير ليشاركه مع الآخرين.
– لا تحتاج لأنْ تحدثني عن نفسك… فأنا أيضاً أراقبك من يوم أنْ بدأت في مراقبتي.
– آسف لم أكن أقصد أبدا أن أتجسس عليك.
– لا تعتذر… فالقليلون فقط من يستطيع ملاحظة وجودي…. الجميع هنا لا وقت لديه كي يتذكر أحلامه… فما بالك بمحاولة فهمها… أما زالت السيدة العجوز تقلق منامك؟
– وكيف عرفت بالحكاية
– ألم أقل لك أني كنت أيضا أتجسس عليك.
– تأتي كل ليلة لتقبلني… فيسيل لعابها المقزز على فمي… فلا أستطيع العودة للنوم… وأبقى مسهدا للصباح.
– لم يكن عليك أبداً أن تعبر بابها المفتوح وتكتشفها.
– كان المكان كله مضاءً وكأنهم يستعدون لعيد ميلاد طفل صغير مثلي.
– كانت تعلم بأنك تتجسس عليها… تماما كما كنت تفعل معي…. فأرادت أنْ تعد لك مفاجأة.
– كان المكان مبهرا فعلا… أيامها كنت أرسم بمخيلتي أشكالاً أسطورية للفيلا المحيرة.
– والغريب أنك وجدت المكان تماما كما تخيلته… حيطان عالية وردية…. مقاعد جلدية حمراء… وسرير بأعمدة ذهبية طويلة تغطي جوانبه الناموسية الحريرية الشفافة.
– وهناك وجدتها ميتة في فراشها من أسابيع… بلا تحلل وبلا رائحة كريهة كالموتى.
– كنت صغيراً ولم يكن عليك أنت تفعل غير ما فعلت.
– لم يكن عليّ أن أهرب ولا أخبر أحداً بما شاهدته… من يومها لم أستطعْ أن أسامح نفسي على جبني… ومن يومها أيضا وهى تزورنى كل ليلة وتقبلني كأنني ابنها… كثيرا ما أشعر أنها ما زالت هناك… وأن شموع عيد الميلاد ما زالت تنتظرني لكي أطفِئها.
والسيدة الغجرية العجوز الواقفة دوما بجوار كاتدرائية سان سرناه بتولوز تنظر في وجهي طويلا قبل أن تنحني على عربتها الخشبية العتيقة وتخرج لي شيئاً وتقدمه لي قائلةً:
– اسمع يا صديقي الصغير القادم من البلاد البعيدة… خذ هديتي الصغيرة هذه… ربما تساعدك على أن تسامح نفسك وتستطيع أن ترى حلمك بشكل مختلف… وإن استمر حلمك القديم في إيلامك… تستطعْ أن تعاود زيارتي فأبيع لك حلماً آخر يبدو مبهجا… حلماً مجرباً يفضله الكثير من زبائني… لكنه لن يكون أبدا حلمك.
عندها شكرت السيدة الغجرية العجوز كثيرا تاركا لها أجرتها في علبة معدنية صغيرة معلقة على العربة الخشبية… ودخلت حجرتي بسرعة لأفض غلاف هديتها الورقي…. فأجد بين يدي صورة ملونة لسيدة فيلا غيث العجوز… مبتسمة وسعيدة… ومن يومها لم يعد وجودها في أحلامي يزعجني أبداً.

*أسامة علام…روائى مصرى مقيم بكندا

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق