اللغة يا أفاضل

306

كتب : نصر عبد الخالق عشوش

في إحدي محاضرات تعلم اللغة الإسبانية كانت إلي جواري صديقتي ناتالي الفرنسية والتي أتت لتعلم اللغة لأنها ترقص التانجو و تواجه صعوبة في فهم المفردات الاسبانية المستخدمة في الرقصة. و بعد فترة يصادفني منشورعلي الفيسبوك لمكتب محاماة مصري يطلب عدد من حديثي التخرج للعمل علي أن يكونوا من خريجي الشعبتين الإنجليزية و الفرنسية فقط (خريجي الشعبة العربية يمتنعون). لتكتمل أفكار كتابة هذه السطور البسيطة بفيديو دعائي لتعليم اللغة الإنجليزية مُخرَج في شكل ساخر ممن يخطئوا في نطق هذه اللغة.

أولاً أود أن أشير إلي ان مسألة اللغة لها أبعاد أكبر بكثير من مجرد أداة للإندماج في سوق العمل أو للتفاخر بالانتماء لطبقة معينة من طبقات المجتمع. فقد كان الثوريين الفرنسيين مقتنعين بضرورة التخلص من اللغة اللاتينية للفكاك من سطوة الكنيسة و بالتالي كان تمسكهم باللغة الفرنسية هو سبيل وصولهم إلي الديمقراطية. و قد تبرر هذه اللمحة التاريخية السريعة اهتمام الأكاديمية الفرنسية بمعرفة ما إذا كانت “كورونا” كلمة مؤنثة أم مُذكرة؟ ففي الحالة الأولي ستُسبق ب ((La و في الثانية ب ( (Le. مسألة تافهة بالنسبة لنا, و لكنها ليست كذلك بالنسبة لإمبراطورية سابقة احتلت حوالي 26 دولة أفريقية تعتمد 21 منها الفرنسية كلغة أولي و ذلك علي الرغم من تواجد العديد من اللغات الأفريقية إلا أنها لغات غير مهمة إقتصادياً فلن يعبأ أحد بتعلمها.
فكما أن اللغة أداة هيمنة اقتصادية فإن اختلاف اللغات قد يؤدي إلي زعزعة استقرار المجتمعات, فنجد مثلاً الجزء المتحدث بالإنجليزية في الكاميرون يحاول الإنفصال عن الأخيرة لأن الأغلبية تتحدث الفرنسية و بالتالي لا يحظي سكان الجزء الإنجليزي بنفس الفرص الإقتصادية التي يحظي بها متحدثي الفرنسية. و علي نفس المنوال تطالب مقاطعتي “تيزي وزو” و بجاية في الجزائر “بالحرية في تقرير المصير” و الإنفصال نظراً لأنهم يتحدثون اللغة الأمازيغية, و من الطريف أن قيادات هذه الحركة يتحدثون كثيراً إلي أنصارهم بالفرنسية. و بالإضافة إلي عوامل اقتصادية فإن عامل اختلاف اللغة هو أيضاً أحد أسباب المطالبة باستقلال اقليم كتالونيا الإسباني (برشلونة) عن مملكة اسبانيا حتي أن التحدث بالكتالونية كان مجرماً في اسبانيا تحت حكم فرانكو حتي عام 1975.

و لكن ما يهم القارئ هو أن يفهم الفرق بين صديقتي نتالي التي تتعلم اللغة لرفاهيتها و بين المواطن المصري العادي الذي تقل فرص عيشه الكريم بل و يتعرض للسخرية لمجرد أنه لا يتحدث لغة أجنبية. إن الأسباب التي أدت إلي هذا الواقع العبثي كثيرة و منها أسباب اقتصادية يوجد من هو أجدر مني لتناولها. و لكن الصعوبة في نظري لا تكمن في تعلم اللغة بقدر ما تكمن في تعامل المجتمع مع من يتعلمونها حديثاً أو يجهلونها. فبقدر ردائة محتوي الفيديو السابق الاشارة اليه بقدر ما يعبرعن واقع سيء يشعر فيه الشخص الذي لا يتحدث الإنجليزية بأنه مواطن درجة تانية, هذا بخلاف الوصمات التي يُوصم بها كجاهل أو فلاح, و يكأن متحدث الانجليزية أهم من الفلاح الذي يُطعمنا. كما يظن البعض أن خلط المترادفات الأجنبية بالعربية يزيدهم ثقافة و يُرقيهم اجتماعياً و علي المستمع أن يفهم و إلا يوصم بنفس الوصمات.

إن المُثقف الحقيقي هو من يعي أهمية اللغة كمُكون أساسي في تكوين الهوية و لا يحاول أن يمزج لغته الأصليه بمرادفات أجنبية. و من المعروف عنا كمصريين أننا فخورين بهويتنا و لنا الحق في ذلك, و لكننا مدينين بكلمة شكر للكثيرين في الحفاظ عليها. أولهم أجدادنا الفلاحين الذين لم يتأثروا بالإنجليزية علي الرغم من طول مدة الإحتلال البريطاني, فحافظوا لنا علي هوية مصرية لها ملامح واضحة و لغة عربية ذات لهجة مصرية أصيلة. لعمالقة الفن المصري كالست أم كلثوم و الزعيم عادل إمام وغيرهم ممن ساهموا في نشر اللهجة المصرية في أوساط العالم العربي. لجمهور الفن و الأدب المصري المتمسك بأعمالنا الفنية و الأدبية و الذي يشكل الحافز الأول للمبدعين و الفنانين. و أخيراً للبسطاء الغير معنيين باللغات الأجنبية الطواقين للعودة لجذورهم المصرية كسكان قرية الزينية بالأقصر الذين يتكلمون القبطية المصرية و يعلمونها لأبنائهم.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق