فريدة النقاش تكتب : الفاشية وثقافة الخوف

18

تواكبت عمليات قتل المتظاهرين التي اتخذت شكلا منظما وعمديا استهدف أنشط عناصر الشباب مع تقديم مشروع «منع» التظاهر لمجلس الشوري، وهكذا ينظم الحكم الإخواني عملية خنق المرحلة الجديدة من الثورة المصرية عبر إشاعة روح الخوف بين الشباب وأسرهم من جهة، وتقييد حق التظاهر والاجتماع بقانون منع الاحتجاجات من الجهة الأخري.

وإشاعة ثقافة الخوف هي عنصر أساسي في مركب معقد للثقافة الفاشية التي تتبناها نظم الحكم الاستبدادية ذات التوجهات العنصرية الاستعلائية البغيضة، وأحد المرتكزات الرئيسية لهذه الثقافة هي استخدام العنف المنظم من قبل السلطة التي تحرص علي استعراض قوتها وتتعمد قتل معارضيها، وحرق الأرض من تحتهم، وإرهاب من يفلت منهم من القتل، وتشويه سمعته، ومحاصرته في رزقه وعمله.

وفي ظل «هتلر» في ألمانيا و«موسيليني» في إيطاليا راح آلاف المواطنين من البلدين ضحايا منهم من قتل ومنهم من هاجر حين أفلت من القتل، وكان بينهم مئات المثقفين بعد أن جري إفقار الثقافة، وفرض الرؤية الواحدية العنصرية علي الإبداع والمبدعين، وتحويل الثقافة إلي دعاية فجة للنظام السياسي، ومصادرة التنوع والنقد، وتوظيف الدين لأهداف عملية وانتقامية إخضاع النساء إعلاء لشأن النزعة الذكورية الفقيرة إنسانيا وعلميا وتمجيد الأم المنجبة مع إقناعها بدونيتها في عالم الذكور.

وكانت النظم الفاشية تأتي عادة نتيجة أزمة عميقة تمر بها البلاد التي ابتليت بها سواء في أوروبا أو في العالم الثالث، فكانت علامة علي صعود الثورة المضادة في شيلي بعد الانقلاب العسكري الدموي ضد حكم الرئيس المنتخب «سلفا دور الليندي» وحزب «الوحدة الشعبية»، وحين صعد الديكتاتور الفاشي «بنوشيه» إلي سدة الحكم راكبا بحرا من الدماء تجلت في «شيلي» بسرعة كل مظاهر الحكم الفاشي من عنف وقتل وإعدام ومجازر جماعية كان أبرزها في ستاد «سنتياجو»، وجري إعدام المغني الثوري «فيكتور جارا» وكتب الشاعر الكبير «بابلو نيرودا» قصائد تقطر ألما ومات كمدا بعد الانقلاب الفاشي بأسابيع قليلة وقد بدأت الحرب علي الثقافة وإشاعة ثقافة الخوف والقمع والانتقام، والاعتماد علي زعيم كاريزمي يتمتع بسحر خاص لدي الجماهير القلقة أحادية الثقافة، وبعد أن استطاع الهروب من ملاحقة النازية كتب «برتولد بريخت» مسرحية «الخوف الأكبر» التي فضح فيها مناخ القلق العام الذي خلفه هتلر.

وقبل أن تصل الفاشية إلي السلطة باسم الدين في مصر كانت قد أعدت ميليشياتها الخاصة، ومارست فعلا كل أنواع العنف ضد الخصوم السياسيين والفكريين، ومنذ أن فقدت جماعة الإخوان قائدها صاحب السحر علي الجماهير «حسن البنا» والذي جري قتله في عملية ثأر من الجماعة التي كانت قد قتلت عددا من السياسيين.. جاء كل قادتها «بعد ذلك نسخا مشوهة أقرب إلي الكاريكاتور وكأنهم مساخيط الفاشية التي لا تستطيع أن تمارس تأثيرا علي الجماهير اللهم إلا إخافتها بالعنف والقتل أو بالقوانين المعادية للحريات علي غرار قانون منع التظاهر، وتهديد قادة المعارضة بالقتل، والقتل الفعلي المنظم لشباب الثورة، وخطف آخرين وتعذيبهم، وإذلال المواطن البسيط «حمادة صابر» وتعريته وتعذيبه علي الملأ وأمام أنظار العالم، ولسان حالهم يقول: إضرب الفقير المربوط يخاف السايب وذلك للحيلولة دون أي مقاومة لا يخطاطهم مع استمرار النشاط المحموم لأجهزتهم الدعائية بعد أن استولوا علي مؤسسات الدولة وأجهزتها الأيديولوجية لتوجيه الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية إلي مصارف أيديولوجية زائفة وإقناع ضحايا هذه الأزمة – وهم بالملايين – أن خلاصا إلهيا هو في انتظارهم بعد إلهاب مشاعرهم الدينية.

ورغم قصر مدة الحكم الفاشي الديني لمصر فإن كل ألاعيبه تكشفت بسرعة، وتعرت البني الذهنية والسيكولوجية التي أقاموها حتي في أوساط الجماهير الواسعة، وتبينت قطاعات لا يستهان بها من هذه الجماهير أن الدين المتسامح الذي تؤمن به شيء وعنف الفاشية الدينية شيء آخر.. وأخذت قطاعات أخري من هذه الجماهير يستيقظ من حلم اليقظة المزور الذي دفعتها إليه جماعات الإسلام السياسي فانساقت له كالمنومة مغناطيسيا.

ويزداد دور القوي الديمقراطية والمثقفين الوطنيين أهمية في مثل هذا الواقع الصعب المعقد، فهي جميعا مطالبة بأن تلتحم مع قوي التغيير الاجتماعي – الاقتصادي علي أن تعيد الصراع القائم إلي ساحته الأصلية وهي الواقع المعيشي لملايين المصريين حيث تتفجر قضايا الحياة اليومية من تعليم وصحة وسكن وغذاء ومواصلات، وسوف يجد هؤلاء المثقفون الديمقراطيون أرضا خصبة وعطشي لتغيير المنطلقات الاقتصادية والاجتماعية لحكم مرسي – مبارك كما هتف المتظاهرون الذين لم تزيف الفاشية الدينية وعيهم.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق