الإدارة الأمريكية الجديدة والعلاقات مع روسيا وتركيا

الرئيس بوتين غير متفائل ويرى أن العلاقات حالياً فى أسوأ حالاتها

148

*واشنطن لا تستطيع غفران شراء أنقرة لمنظومة إس – 400..*تركيا تهدد بإغلاق قاعدتين للناتو على أراضيها

 

ليلة إعلان نتيجة الانتخابات الأمريكية فى الثالث من نوفمبر عام 2016، شاهدت فرح الشعب الروسى العارم بفوز ترامب، بل سرت إشاعة أنه تمت تسمية أحد الشوارع باسم ترامب، وعندما تناقشت مع بعضهم وكانوا يعتبرون أن بلادهم ساهمت بشكل أو بآخر فى وصول ترامب للبيت الأبيض، وأن أمريكا أصبحت فى جيب روسيا، لدرجة أن الرئيس المنتخب بايدن وأثناء مناظرة تلفزيونية نعت ترامب بـ”جرو بوتين”، قلت لهم حينها حتى لو ساهمت روسيا فى وصول ترامب للبيت الأبيض فإنه لن يستطيع إحداث نقلة نوعية فى العلاقات مع روسيا.

فالولايات المتحدة دولة مؤسسات، والرئيس لا يتحكم فى كل شيء كما يتوهم البعض. وكتبت مقالاً حينها حول مستقبل العلاقات الروسية الأمريكية، توقعت فيه حينها أن تصل فيه العلاقات بين واشنطن وموسكو إلى أسوأ مراحلها بين البلدين، وذلك لأن ترامب سيحاول بقدر المستطاع نفى تهمة مساعدة روسيا له فى الفوز بالانتخابات ومن ثم سيتبع خطا متشددا مع روسيا وهذا ما حدث فعلاً، رغم أن روسيا كانت متفائلة عندما أعلن ترامب أن مشكلة أوكرانيا (عقب أحداث القرم وشرق أوكرانيا) لا تهم الولايات المتحدة كثيراً وهى تعنى الأوروبيين بالدرجة الأولى، وألقى فى هذا الملف باللوم على إدارة أوباما، وأن ما حدث هو بسبب تراخيها.

وفيما يتعلق بالموقف الروسى من العلاقات فى ظل انتخاب جوزيف بايدن، قال الرئيس بوتين، “لن تكون أسوأ من الآن”، فى إشارة إلى أنها فى أسوأ حالاتها، وأن روسيا لا تعول كثيراً على الإدارة الأمريكية الجديدة، ونعود هنا لما قاله اليكسى بوشكوف، عضو مجلس الفيدرالية الروسى، والشخصية ذات الميول الأمريكية، حيث أعرب عن أن واشنطن عازمة على مواجهة روسيا والصين باعتبارهما خصوما ومنافسين.

ويوضح السيناتور الروسى عضو مجلس الفيدرالية أن واشنطن ستواجه بكين كمنافس لها، وستواجه موسكو كعدو لها. من هذا المنطلق وفق بوشكوف ستقوم واشنطن بمواجهة الاثنتين، لكن بالدرجة الأولى الصين التى تعتبرها الولايات المتحدة لديها إصرار للنفوذ إلى نطاق جديد من المنافسة مع واشنطن على الساحة الدولية، ولما كانت الإدارة الأمريكية الجديدة تدرك أنها لن تستطيع كسب هذه المواجهة بمفردها فهى ستسعى إلى تشكيل إئتلاف ديموقراطى عالمى ضد الأنظمة التى تسميها استبدادية.

أضاف النائب الفيدرالى أن إئتلاف مثل هذا ضد روسيا موجود على أرضية حلف الناتو، لكن التحالف ضد الصين سيكون على الولايات المتحدة إقامته فى المستقبل القريب. توقع السيد بوشكوف أن تقوم واشنطن والغرب بمد نفوذهم إلى دول وسط آسيا (فى تلامس للمواجهة مع الصين) وجنوب القوقاز وشرق أوروبا (بيلاروسيا ـ أوكرانيا) الواقعتين بين التحالف الغربى من ناحية وروسيا والصين من ناحية أخرى.

ولعل من أهم بوادر تحقيق الفقرة الأخيرة الخاصة بمد النفوذ إلى وسط آسيا فى زيادة للضغط على روسيا، أن الرئيس بايدن قرر القيام بعملية إصلاح فى مجلس الأمن القومى الأمريكى وخصص فيه إدارة خاصة ستقوم بالعمل فيما يتعلق بالشئون الروسية ووسط آسيا، وتم تعيين السيدة أندريا كيندال ـ تايلور، التى كانت تعمل فى المخابرات الأمريكية من قبل كرئيسة لهذه الإدارة، ستقوم فى الإدارة الجديدة برئاسة القسم الخاص بروسيا وجمهوريات وسط آسيا فى مجلس الأمن القومى، وهذا بلا شك سيشكل ضغطا كبيرا على موسكو لأنه يوسع من ميدان المواجهة مما سيشتت الجهود الروسية بين الجزءين الأوروبى (كييف ومينسك) والآسيوى، ربما هذا السبب هو الذى جعل الرئيس بوتين يتحدث عن أنه لن يتدخل فى قيرجيزستان إثر الاضطرابات الأخيرة. من المعروف أنه أثناء حكم باراك أوباما ومن قبله جورج بوش الابن كانت إدارة روسيا فى مجلس الأمن القومى مستقلة، غير أنه أثناء حكم الرئيس ترمب تم دمج إدارة روسيا مع أوروبا.

بالإضافة لذلك، جاء اختيار الرئيس المنتخب بايدن لجيك ساليفان مستشاراً له لشئون الأمن القومى، وتحدث ساليفان عن خطة الرئيس المنتخب بايدن القاضية بالاتفاق مع روسيا حول تمديد اتفاق “خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية”، لكنه تدارك أن هذه المسألة شئ عادى، لأنه حتى فى قمة الحرب الباردة استطاعت الدولتان إيجاد مناطق للتعاون فى هذا المجال، أى أن هذا لا يعنى تحسنا فى العلاقات مع روسيا، ويعتقد كثيرون أن فكرة إصلاح مجلس الأمن القومى هى فكرة سيلفان. على الجانب الروسى وفى تعليق على فكرة إنشاء إدارة خاصة بروسيا فى مجلس الأمن القومى الأمريكى، وضم وسط آسيا إليها، قال السيد أندريه كورتونوف أنه يعتقد أن هذا يدل على وجود مشاكل تقليدية فى البيروقراطية الأمريكية، تجذبها إلى سنوات التسعينيات، وإذا كان الاتحاد السوفيتى فى السابق لم يحسب على أى منطقة جغرافية، فإنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتى أخذت الإدارات الأمريكية القرارات حول أى منطقة تنسب “الجمهوريات السوفيتية السابقة”.

لكن هناك بين الخبراء من ينصحون الرئيس المنتخب بايدن بالتمهل فى المواجهة مع روسيا، ومنهم جوشا خومينسكى، مدير مركز مايك روجرز للاستخبارات والمشاكل الدولية الذى نصح الرئيس المنتخب بايدن بإعادة التفكير فى العلاقات مع روسيا، وكتب فى صحيفة “هيل” إن السنوات الأربع الأخيرة شهدت عدم استقرار فى العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، وهذا كان نتيجة عدم التوفيق فى السياسة الأمريكية تجاه موسكو، ونصح الإدارة القادمة ليس فقط بتفريغ شحنات التوتر ولكن بإعادة التفكير فى العلاقات مع روسيا برؤى جديدة على القوى الدولية وتأثير موسكو.

وأشار إلى أن منافسة الدول لا تعنى بالضرورة المواجهة، واعتبر خومينسكى أن القطبين الروسى والأمريكى مازالا فى حاجة لبعضهما البعض فى قضايا عدة منها الحرب على الإرهاب والسيطرة على الأسلحة النووية الاستراتيجية والحد من انتشار السلاح النووى بصفة عامة. فى تقدير الخبراء من الصعب على الولايات المتحدة القطع النهائى مع روسيا، على الأقل حتى فيما يتعلق بحجم الإنتاج النفطى، وإن كانت المنافسة ستستمر بينهما حول بيع الغاز لأوروبا ومسعى واشنطن لوقف خط الغاز نورد ستريم- 2، المعنية به روسيا، بالإضافة إلى الملف النووى الإيرانى وهناك مشكلة كوريا الشمالية ، ناهيك عن أزمة أوكرانيا التى حدثت أثناء حكم الديموقراطى باراك أوباما، وكان الأوروبيون والأوكرانيون ينتظرون وصول إدارة ديمواقراطية بفارغ الصبر على أمل إصلاح الأوضاع، وهاهى مشكلة الحكم فى بيلاروسيا تطل برأسها أمام واشنطن وأوروبا، أى لابد للولايات المتحدة من اللجوء لروسيا للحديث حول هذه القضايا، وعلى وجه الخصوص مشاكل مثل خروج واشنطن من اتفاق تدمير الصواريخ المتوسطة والقصيرة والسعى لضم الصين لهذا الاتفاق إذا ما حاولت موسكو استرجاع واشنطن لهذا الاتفاق، إضافة إلى اتفاق الحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية الهجومية الذى سيكون على الطرفين الروسى والأمريكى الجلوس معاً للتوصل لاتفاق لتمديده. الأمريكيون لا يعيشون فى العالم وحدهم، وعليهم أيضاً التعايش مع الصين ومواجهة تغولها فى أفريقيا.

فيما يتعلق بعلاقة الإدارة الأمريكية القادمة وتركيا، فإنها ترى الخطورة فى أن تركيا عضو فى حلف الناتو ومن ثم لا تريد الولايات المتحدة حدوث انقسام فى الحلف الذى يعتبر القاعدة الأساسية فى مواجهة روسيا، وهذا ما تسعى إليه روسيا من خلال صمتها على تركيا رغم تقاطع مصالح الدولتين الاستراتيجية فى مناطق مختلفة من العالم، الرئيس التركى الهوائى النزعة هدد واشنطن بإغلاق القاعدتين الخاصتين بحلف الناتو فى تركيا إذا فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات جديدة على أنقرة وهذا غاية ما تتمناه روسيا، فهذه القواعد أنشئت لمواجهة الاتحاد السوفيتى ومن بعده روسيا، وهذا يعتبر أن حدث معضلة كبيرة لحلف الناتو، خاصة وأنه يحاول السيطرة على التقارب الروسى ـ التركى. أما وزير الخارجية التركى شاووش أغلو،  فقد أشار إلى أن بلاده تريد من الإدارة الأمريكية القادمة سياسة يمكن التنبؤ بها وليس كما كان أثناء إدارة ترمب، وتريد أن يتفهم البعض موقف أنقرة من شراء منظومة إس ـ 400 الروسية.

لكن تظل المشكلة العالقة بين تركيا والولايات المتحدة هى تسليم والحد من نشاط عدو إردوجان اللدود فتح الله جولن، الذى تعتبره أنقرة المتهم الرئيس فى محاولة انقلاب 2016، وزير الخارجية التركى قال إن العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة سيجرى تجديدها بعد تنصيب الرئيس بايدن فى 20 يناير الجارى، مشيراً إلى رغبة بلاده فى فتح صفحة جديدة من العلاقات مع واشنطن، مؤكداً على رغبة بلاده فى إجراء حوار مع واشنطن حول العقوبات المفروضة عليها وشراء صواريخ إس ـ 400 الروسية، واعتبر أن هذه هى المشكلة الرئيسة، وتحتل مشكلة التوتر مع الزملاء فى الناتو حجر عثرة فى وجه التكامل الأوروبى مع تركيا ويغضب واشنطن حليفة أوروبا.

فى تقديرى أن الصراع الأمريكى الأكبر فى الإدارة الأمريكية الجديدة سيكون مع الصين، التى تعتبرها واشنطن ليست مجرد دولة تختلف معها سياسياً ويتصدر ملف حقوق الإنسان فى الخلاف مع الصين مكان الصدارة، لكن المنافسة صارت هى المعركة الأساسية، سواء فى أفريقيا أو فى مناطق أخرى من العالم بالقرب من حلفاء الولايات المتحدة سواء فى اليابان أو كوريا الجنوبية أو فى بحر الصين المتنازع عليه. على أى حال سيكون علينا الانتظار حتى قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة رسميا، بعد 20 يناير، والتى سيكون عليها ترتيب البيت من الداخل بعد الفوضى التى أحدثها ترامب.

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق