فريدة النقاش :الانتقال إلى….

202

قضية للمناقشة

الانتقال إلى….

*فريدة النقاش

يكاد علماء الاجتماع والأوساط الفكرية العالمية عامة أن يتفقوا على وصف المرحلة الجديدة من عمر الإنسانية بأنها مرحلة انتقال, وحين نتأمل هذا الوصف مليا سيتبين لنا كم هو دقيق, ذلك أن كل ما حلمت به الإنسانية في العصور السابقة وشرعت في تحقيقه سواء أفلحت أو اخفقت قد تم إنجازه ولابد من التأهب لمرحلة جديدة, اندلعت حركة التحرر الوطني في المستعمرات ونجحت في تصفية الاستعمار, وأخذت الشعوب تتساءل الوطن الحر لمن؟ كذلك عرفت البلدان الاستعمارية ذاتها تحولات داخلية عميقة.
جرت مياه كثيرة وعفية في أنهار الحياة, وبالتالي في الفكر الإنساني وهو يلهث للتعرف علي السمات الجديدة لمرحلة الانتقال, لا فحسب لكي – ينظر لها, وإنما أساسا لتسترشد خطى الإنسانية نحو المستقبل في هذه المرحلة بما ينفع من آثار لها علي كل المستويات.
ورثت الليبرالية الجديدة- وبجرأة- بقايا الانهيارات الكبرى بعد سقوط التجربة الاشتراكية الأولي في روسيا وأوروبا الشرقية, و تراجع الديمقراطية الاجتماعية ومأزقها العميق في عقر دارها بشمال أوروبا, وأصبح سؤال ما بعد التحرر الوطني أكثر الحاحا: الوطن الحر لمن؟ بل إن السؤال أصبح أكثر جذرية هل الوطن حر حقا رغم رحيل الاستعمار؟
أخذت مفاهيم الحرية, وبخاصة مضامينها تكتسب أبعادا جديدة ذات صلة عميقة بالوعي الإنساني المستجد الذي أسست له من ضمن عوامل كثيرة- ثورة الاتصال. ولم يعد انقسام المجتمعات بين أقلية صغيرة تمتلك السلطة والثروة, وأغلبية كبيرة تكافح من أجل البقاء علي قيد الحياة- لم يعد هذا أمرا مفروغا منه ولا مقبولا, وحققت الشعوب انتصارات ليست قليلة في الصراع الاجتماعي داخل البلدان كافة.
إلي أين ننتقل إذن؟ ينطلق هذا السؤال علي الصعيد العالمي وفي داخل كل بلد. وتبرز في هذا السياق بدائل لليبرالية الجديدة التي أطلقت الحبل علي الغارب- كما يقال- لما وصفه العلماء بعد ذلك بالرأسمالية المتوحشة, وأصبحت وكالات الأمم المتحدة المتخصصة ومراكز البحوث العالمية الموثوقة تمدنا كل يوم بالوقائع والاحصائيات الصادمة عن بؤس العالم كما وصفه عالم الاجتماع الفرنسي الراحل “بيير بورديو”, وذلك في تناقض مع تزايد الثروات.
وربما كان أبرز ما يمكن تسجيله من البدائل التي أبدعها البشر في سياق كفاحهم من أجل عالم جديد هو رفض الاكتفاء بالنزعات الخيرة لدي الاثرياء مع الاصرار علي الدفاع عن الحقوق , بل إن الشعوب لم تنخدع بفكرة اختزال هذه الحقوق الانتخابية, بل إن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أخذت تحتل مكان الصدارة اللائق بها, مع رفض جماعي لمقياضتها بالحقوق السياسية إذ إن نتائج مثل هذه المقايضة كانت كارثة في التجارب التي عرفتها.
ولم يتخل الاشتراكيون في كل مكان عن كفاحهم من أجل الاشتراكية التي تعني باختصار تصفية استغلال الإنسان للإنسان, لكن الاشتراكية أصبحت سيئة السمعة بعد كل الذي حدث في تجاربها الأولي. وحين سقطت هذه التجارب الأولي لم يقترن هذا السقوط بنقد ما حدث فيها, ولم يحدث مثل هذا النقد الا بعد ان انزاحت صدمة هذا السقوط الذي لم يسبق أن خطر علي بال أحد, ووقع عبء غسل هذه السمعة علي ملايين الاشتراكيين عبر المعمورة.
ونشط النضال وولد الأفكار من أجل اشتراكية جديدة, لا تتلافي فحسب عيوب ما سبقها, ولكنها تبني ما يمكن بتسميته النموذج الجديد للاشتراكية وتضع في الحسبان كل ما أضافه الجهد الإنساني للعمال والفلاحين والمنتجين بعامة لا للتراث النضالي وحده وإنما أيضا لتراث الأفكار, وهو ما يفتح الباب أمام المثقفين الاشتراكيين عبر المعمورة لبناء الأطر النظرية الجديدة سواء لمرحلة الانتقال التي نعيشها أو بالاشتراكية التي نتطلع إليها.
فهل تنتقل الانسانية الآن إلي ما يمكن ان نسميه الديموقراطية الاجتماعية الجديدة طالما ان هناك اتفاقا ضمنيا علي أن القاعدة المادية لبناء الاشتراكية ليست معدة بما فيه الكفاية بالانتقال الفوري اليها كما توافق العلماء والمفكرون؟ ربما.
إذ لا يملك أحد أن يقدم إجابة قاطعة وجازمة علي هذا السؤال , لكن الشيء المؤكد ان كفاح الطبقات المنتجة علي الصعيد العالمي من اجل عالم ترفرف عليه رايات العدالة والمساواة, رايات الحرية والكرامة الانسانية – هذا الكفاح لن يتوقف وسوف تفاجئنا نتائجه- كالعادة- بما لم يخطر علي البال من أشكال الابداع الإنساني الذي يصنع الحياة وهو يطوي الصفحات السوداء لليبرالية الجديدة, وتوحش الرأسمالية وبذاءة “ترامب” والانحدار الانساني والثقافي علي نحو خاص الذي رعته الاموال وتجلي كأوضح ما يكون في محاولة اقتحام مقر الكابيتول حيث مجلس الشيوخ والنواب الأمريكيين ليكون أبرز عمل رمزي تقوم به الرأسمالية المتوحشة معلنة عن نفسها جهارا نهارا ومبرزة سماتها دون خجل في بداية القرن الحادي والعشرين.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق