وقال رشدي سعيد للسادات: إحرقنا بجاز وارتـــاح

23

بقلم | د. رفعت السعيد

سريعاً جداً ومن أول لحظة أصبحنا أصدقاء، كنت في هلسنكي في مجلس السلام العالمي ودعاني السفير جمال بركات إلي غذاء مع ممثل مصر في المؤتمر البرلماني العالمي، وكان د. رشدي سعيد، ومنذ اللحظة الأولي أصبحنا أصدقاء، انتهت فترة المؤتمر، دعوته إلي منزلي وعشنا معا أسبوعا كاملا نتسكع في شوارع هلسنكي المغطاة بالثلوج ونحكي.

كان السادات قد بدأ معركة «أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة» وكانت أحداث الزاوية الحمراء، وأيام تقيح الجرح الدامي للفتنة الطائفية، وإشعاله بتعمد رئاسي، وظل هذا الأمر محور كل أحاديثنا، كان عضوا في اللجنة البرلمانية التي أعدت التقرير الذي اشتهر باسم «تقرير د. العطيفي» ووضع التقرير أول أسس واضحة لإنهاء جزئي للتمييز الديني، ألقي السادات بالتقرير جانبا، كان غاضبا ومتوترا ولا يطيق سماع أي مقترحات موضوعية وكأن ثأرا اشتعل بينه وبين الأقباط، وكان يترافق مع ذلك تمهيد ساداتي لطريق انبعاث جماعات التأسلم السياسي، والإرهاب المتأسلم، وكان رشدي سعيد يعيش حالة من الخوف علي مصر، كان يحب مصر ليس ككل حب وأنه هو حب من عرفها شبرا شبرا وعرف تكوينها الجيولوجي مرحلة مرحلة وعرف ما فيها من كنوز وكان يسخط علي من توالي من حكام قائلا «إنهم لا يستحقونها ولا يستحقون كنوزها» وكان يؤكد «مع حاكم مستنير، عادل، ديمقراطي، قادر علي استثمار هذه الكنوز لتصبح مصر خلال سنوات دولة عظمي».

وكنا هو وأنا نتابع كل يوم أخبار ما يجري في مصر ونزداد فزعا وقلت له، ماذا يريد السادات بالضبط؟ وتدفق في إجابة مطولة سيل من المخاوف، والتمييز المتعمد والتعبئة الطائفية المتعمدة، وقال «قلت للعطيفي يوما البلد حتروح في ستين داهية» ويبدو أن العبارة نقلت عبر طرف ثالث إلي السادات فاستدعاني إلي استراحة القناطر «وسكت رشدي سعيد، وقلت وبعدين؟ سأقول لك بشرط ألا تنقل ذلك لأحد، ومضي «دخلت، كان السادات بجلبابه يتكئ كأحد السلاطين القدامي ولم يهتم حتي بمحاولة القيام وقال اقعد يا رشدي، وقعدت.. وباغتني بصوت مرتفع وغاضب.. إنتو عايزين إيه يا رشدي؟ أعملكم إيه يا رشدي؟ كنت أنا أيضا غاضبا ومتوترا وارتفع صوتي دون أن أدري وقلت: إحرقنا بجاز وارتاح مننا، بهت السادات وقال بهدوء مصطنع إنت عايزني أحرق ستة أو سبعة مليون قبطي؟ إنت مجنون؟ وزاد صوتي ارتفاعا يا ريس أي مجموعة دينية إما أن تعطيها كل حقوقها كاملة وإما أن تحرقها بجاز ولا حل آخر، ومادمت لا تريد إعطاءنا حقوقنا كاملة فالحل الآخر متاح وعليك احتمال النتائج.

سكت السادات وسكت رشدي الذي قال: شعرت بهدوء فقد قلت كل ما أريد أما السادات فلاذ بصمت وظللنا ساكتين ثم قال مع السلامة يا رشدي.

لكن لا السادات ولا من أتوا بعده تلقنوا الدرس أو وجدوا الحل.

وظل رشدي سعيد صديقا حميما، محبا لمصر حبا عميقا وغاضبا منها وعليها غضبا شديدا، وظل كلما التقينا يجدد حلمه بمصر دولة عظمي يحكمها من يستحقها ومن يستطيع أن يحيل صحاريها ووديانها وترابها إلي ثروات موجودة فعلا.. وعاش في أمريكا محاولا أن يتباعد لكنه أبدا لم يتباعد، وحتي بعد أن رحل سيبقي موجودا في أنحائها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق