آفاق التلقي وجمالية التماهي في شعر طلال الجنيبي

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

320

زكرياء الزاير، شاعر وباحث من المغرب

آفاق التلقي وجمالية التماهي في شعر طلال الجنيبي

زكريا

يتبين أن الأنماط اللغوية المستعملة في الشعر مختلفة اختلافا جذريا عن الأنماط المستعملة في النثر؛ كون الشعر يسعى إلى وظيفة تأثيرية عكس النثر الذي يسعى إلى وظيفة بيانية حسب “رومان جاكبسون”. و” الشعرية لم تكن تكمن فيما يشتمل عليه الشعر من معانٍ، فقد كان يُنظر إلى الشعر باعتباره صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير بحيث يبدو مفهوما يفضي إلى إفراز الجمال الفني الذي يأسر المتلقي” (1). من هنا يفتح الخطاب الشعري آفاقا متعددة للتّلقي والتّماهي في كنه دلالاته وجمالياته. إذ إنّ الكاتب، وفق هذه العملية، يكتب لقراء معينين ويتوجّه إليهم وفق حوار وأثر. إنه إحياء للنص في ثوب جديد كما يُبين ذلك”ياوس”. إنّه إعادة إنتاج للمعنى يَنفتح على مرجعيات القارئ ويقيس مداركه وثقافته، فيصبح القطبَ الرئيسي في الظاهرة الأدبية.

بحسب هذا المنظور نجد الشاعر الإماراتي “طلال الجنيبي” يسعى إلى خلق جمال لغوي وليس اتخاذ اللغة وسيلة، إذ يختار مواضيعه الشعرية من صميم المعيش اليومي، وينفتح على تيمات عديدة، ليحقق نصُه من خلال ذلك التحاما وتفاعلا مع القارئ/ المتلقي الذي يختاره بعناية، فيكتب قصيدة ملونة بألوانَ مائيةٍ خفيفةٍ، لينسج عبر هذه الألوان بناءً وتصويرا ذو خصوصية إيقاعية. تكمن هذه الخصوصية في الجمع بين الذات المبدعة والآخر الفاعل والمنفعِل، ليعلن موقفه من الطبيعة والإنسان والكون.

شعره انتقائي تبدو عناصره منظومة على أساس إيحائي ينضح بالإحساس والوجدان والشعور الجياش، وفي تلك العناصر تكمن جمالية المتن لديه، وجمالية الغنائية المفتوحة على دلالات عديدة تزخر بها القصيدة العربية في العموم. فبالعودة إلى الشعر الجاهلي، نجد أنّه لم يكن غنائيا فحسب، بل كان يضم حقائقَ حول مختلف مناحي حياة العرب إبّان تلك الفترة، والقصيدة القديمة لم تكن طربية فحسب، بل كانت مصدر معرفة حسب “أدونيس”. والشاعر العربي اليوم ما يزال يتتبّع خطا الأسلاف ويسير وفق نهجهم إلى حد صار فيه البعض يستحضر الكثير من جماليات الكتابة الشعرية القديمة في قالب تصويري يحاكي نمط العيش الحديث. وفق هذا التصور يكتب “طلال الجنيبي” القصيدة الخليلية، ويعي جيدا ضروب الصنعة والعروض والإيقاع بأنواعه وأشكاله، من خلال عنصرين أساسيين؛ عنصر خارجي يتمثل في الموضوعات المطروحة، وعنصر داخلي يتمثل في البنية الشكلية للمتن من خلال مكون الصورة والإيقاع. يقول:

كم راودتك عن الأشواق أشواق/ وكم صرخنا مرارا نحن عشّاق

وكم نقشنا على شاماتنا قصصا/ استنشق الحلم فيها لحن من ذاقوا (2)

(…)

وعيا سكِرتكِ يا خمر المعاناة/ ها قد ثملت فذاقت نشوتي ذاتي

روحا تجولتُ في أرجاء ما منحت/ تلك المعاني فقالت متعتي هاتي (3)

نجد من خلال هذه الأبيات عنصر التلقي بارزا في شعر طلال الجنيبي من خلال التوقيع الصوتي التي يعتمده في معظم قصائده، فيقر من خلال ذلك أن للصوت وظيفة تأثيرية تستجلب المتلقي/ المستمع. وفي ذلك جاذبية وجمالية واضحتين. والملاحظ أن هذا التوقيع الصوتي يتماشى مع بحر البسيط الذي يعتمده الشاعر في القصائد الصوتية، وبذلك يضفي معانيَ جديدة للقصيدة العربية من منظور منفتح ومتجدد، تصور وتمثل انشغالات الإنسان المعاصر اليوم، الذي ينفتح على تجاربَ متعددة محورها الإنسان أولا والشعر ثانيا، والأصالة ثالثا. نجد ذلك عند أبي نواس والمعرّي، اللذين تنفتح أشعارهما على القلق المعرفي والوجودي الذي يسعى من خلاله الشاعر إلى معرفة ذاته وعلاقاته بالآخر والكون، فتتجاوز أشعاره بذلك حدودها الزمنية والمكانية. يقول الشاعر:

عيناك ترتكبان إثم غواية الرّوح السقيمة/ وتسافران بلا جناح دون إدراك لقيمة

وبرغم هذا لا أتوق سوى لنفحتكَ الرّحيمة/ لعلّها تهدي المشاعر للدّروب المستقيمة (4)

(…)

مستلهما ألق النهاية قبل أن أطأ الطريق/ أزمعت أن أمضي لأغرس بذرة النّور العتيق

رافقت بنت مخاوفي فاشتاق ليلي للصباح واجتاحني ألم عميق لا ينام ولا يفيق (5)

(…)

أناديني فيستمع الجواب/ أراقبني لقرأني الخطاب

أشاغبني لتحملني ظنوني/ أغادرني ليرجعني السّحاب (6)

(…)

أراك كما لا يراك الجميع/ وأحسب أنّك غير البشر

ومهما أطلتَ غيابك عنّي/ فروحي تمتدّ عبر الأثر (7)

(…)

على جامح لا يطيق الهدوء/ أوثق سرج العبور الأخير

وألجم خيلَ الخيال بسوط/ من العقل لا يشتهيه الكثير (8)

نجد كذلك في هذه الأبيات أيضا مجموعة من العناصر التي تشكل ذات الشاعر في علاقته مع الآخر/ المرأة: ” عيناكِ ترتكبان إثم غواية الرّوح”. علاقته بذاته: “مستلهما ألق النهاية قبل أن أطأ الطريق”،” أناديني فيستمع الجواب”. إلى غير ذلك من المواضيع التي يفتحها الشاعر ويقيم علاقات معها في إطار تفاعلي مفتوح مع القارئ الذي لا يجد صعوبة في تلقي النص الجنيبي والتفاعل معه ومن خلاله. هنا تكمن دقة الاشتغال لدى شاعرنا الذي يختار -كما سبق الذكر- مواضيعَ تحقق نسبا عالية من التواصل. وإذا دققنا في بنية الإيقاع داخل هذه القصائد سنجد أنها تحقق تكاملا من حيث الدلالة، إذ نجد أن نسبة استعمال المتقارب واضحة، وهذا البحر له سمات عديدة من بينها القدرة على تمثل الموضوعات الحية، إذ يسْهل النظم على منواله. وكذلك يزود القصيدة بإيقاع كبير يَنقل للقارئ ما يحاول أن يبثه الشاعر من أحاسيسَ ومشاعر. يستعمل كذلك الكامل والبسيط والمتقارب والخبب وهذه البحور الشعرية تتماشى والبناء التصويري لشاعرنا. فتكون القصيدة “الجنيبية” وثيقة تمثل الأصالة العربية الشعرية. فللإيقاع داخل القصيدة العربية ميزة خاصة، فهو ضرورة باعتباره ركيزة من ركائز القصيدة العربية. والشاعر المعاصر اليوم يعمل على تطويعه وبلورته وفق أشكال وإمكانات جديدة، محاولا من خلال ذلك التعبير على همومه وتطلعاته اليوم. إذ يختار البنية الإيقاعية القديمة المتمثلة بالأساس في الإيقاعات الخارجية (بحور الخليل)، ويعمد إلى التنويع والابتكار بما تنسجم ودفقته الشعورية غير بعيد عن إشراك المتلقي، وذلك ما يسير وفقه شاعرنا.

الشعر اليوم، باختلاف أنماطه واشكاله، مرهون بتعدد مرجعياته بحسب التوجهات الفكرية للشاعر الذي صار مرهونا بالتحديث في بنية نصوصه من حيث اللغة والإيقاع والصورة، وخاصة الجانب الإيقاعي الذي يمثل اللبنة الأساسية للنص الشعري. فحول وفقا لذلك -الشاعر- صوره الشعرية من كونها تحاكي وصفية جامدة إلى كونها بصرية تنحى منحى التشكيل بمختلف أنواعه، وبذلك ينفتح “طلال الجنيبي” من خلال نصوصه على المتلقي ويتماهى من خلاله في رسم أشكال جديدة للقصيدة العربية اليوم.

هوامش:

تعريف بالشاعر:

الدكتور طلال سعيد الجنيبي أديب وشاعر إماراتي حاصل على جائزة رئيس الدولة (خليفة الفخر) 2015 وجائزة الأمانة العامة لمجلس التعاون للشعر 2016 وجائزة نائب رئيس مجلس الوزراء لدولة الإمارات للإبداع 2017 وجائزة الإمارات التقديرية لمجمل الإنجاز الفكري والإنساني للعام 2019. أدرجت قصائده في المناهج الدراسية المدرسية بدولة الإمارات. اختيرت بعض إصداراته للتدريس بجامعات عربية وعالمية عريقة مثل جامعة السوربون الفرنسية. صدر له تسع مجموعات شعرية. صاحب أول نص شعري تاريخي يصعد إلى الفضاء من بين كل اللغات (فضاء زايد). ترجمت أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية واليونانية والهندية والأوردية والأمازيغية والفارسية والروسية والأوكرانية.

1- عبد الملك مرتاض، قضايا الشعريات، سنة النشر منشورات أكاديمية الشعر أبو ظبي/ الإمارات العربية المتحدة، ط1، ص18.

2- طلال الجنيبي، تصطاد ضوءا/ شعر، منشورات المجلس الوطني للإعلام- الإمارات، ط:1، س: 2019، ص 07.

3- نفسه، ص08.

4- طلال الجنيبي، أراك عكسك/ شعر، منشورات مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون واتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ط:1، س: 2019، ص 13.

5- نفسه، ص 27.

6- نفسه، ص 46.

7- نفسه، ص09.

8- نفسه، ص 22

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق