كريستينا لـ”منير عتية”

349

منير عتية

فصل من رواية (موجيتوس) الفائزة بجائزة اتحاد كتاب مصر- جائزة يوسف أبو رية لعام 2020 يتحدث عن الطاعون الأسود ف أوروبا في العصور الوسطى على لسان كريستينا بطلة الرواية

كريستينا

كريستينا من بقى فى الضيعة حتى الموت لم يكن أنا. كانت بوادر الجفاف قد ظهرت، والعجائز أخذن برعب يطل من العيون يتذكرن أيامًا سابقة رأين فيها الأهوال، وكانت حكاياتهن تزيد الأمر رعبًا. كان شتاء جاف لم تُسقط السماء فيه نقطة مطر واحدة، كانت حرارته حارقة كنهار صيف عنيد لا يريد أن ينتهى، جفَّ الجدول الرئيسى بالضيعة تدريجيا، وكانت جداول الماء الأصغر قد سبقته إلى الجفاف، عاشت الضيعة شهورا على ماء البئر الكبير بقصر الشريف هرمان، كانت الضيعة تفقد حيواناتها ودواجنها وخنازيرها واحدا بعد الآخر، الأشجار تشيخ سريعا وتذبل فروعها، يختفى اللون الأخضر من الضيعة تدريجيا ليحل محله البنى والرمادى، كنا نفقد بعض الأطفال والنساء والرجال العجائز والضعفاء أيضا من يوم لآخر. فى البداية كان القس ترومان يقيم شعائر الموت كاملة، يتلو عظته، ويقف على قبر الميت طويلا مذكرا إيانا بالجنة والجحيم وضرورة ألا نخالف تعاليم الكنيسة، ثم بدأت خطبه تقصر، ولم يعد يقف على قبر أحد، ثم أصبح يمسك الصليب المتدلى من سلسلة ذهبية فى صدره ويشير به إلى الموتى المرصوصين أمامه قبل دفنهم. وكان بعض الرجال قد اقترح حرق جثث الحيوانات النافقة حتى لا تنشر الشر فى هواء الضيعة، وامتد الاقتراح فيما بعد ليشمل الموتى من البشر، لكن أحدا لم يجرؤ على تنفيذ هذا الاقتراح فى إنسان وإن كان الكثير من جثث الحيوانات قد حظى بالحرق. أصبح الطعام شحيحا ثم نفد حتى من مخازن الشريف هرمان التى فتحها ليأكل منها جميع من بالضيعة، فأكل الناس حشائش الأرض الجافة إن وجدوها، والقوارض والزواحف والحشرات التى يمكن أن يعثروا عليها حية أو ميتة، وسرق أحد جيراننا الجواد الهزيل الذى يملكه القس ترومان وذبحه قبل أن ينفق، وصنع من لحمه وليمة كفت الضيعة لعدة أيام، وإن كانت قد سرت شائعة بأنه ذبح الجواد بعد أن كان قد مات بالفعل، لكن أحدا ممن أقبلوا على لحم الجواد المشوى لم يكن يريد أن يصدق مثل هذه الشائعات. لكن الشائعة التى لم يصدقها أحد حقا فهى أن بعض الرجال قتلوا رجالا ونساء وأطفالا آخرين وأكلوهم حتى لا يموتوا جوعا، البعض قالوا إن هذا فى ضياع بعيدة عن ضيعتنا، ولا يمكن أن يحدث لدينا، لكن كل شخص بدأ يأخذ حذره من الآخر. كنت أحيانا أشعر أن ما يحدث هو بعض ألعاب مارك الشريرة، وأنه سيمل منها سريعا لتعود حياتنا إلى ما كانت عليه، لكن ما يحدث فوق طاقة مارك أن يفعله، وفوق طاقة العذراء الرقيقة أن تتصدى له، ومع ذلك فقد صليَّت لها ليلا ونهارا لكى تنقذنا. وضع الشريف هرمان نظاما دقيقا لتوزيع مياه البئر على كل من بالضيعة بما يحفظ عليهم حياتهم، وكان وأهل بيته يشربون من الماء بقدر ما نشرب لا أكثر، وكان يعاقب من يحاول أن يغش، بل إنه قتل بنفسه رجلا لأنه ظن أن الرجل سرق كوب ماء فوق الكوب المخصص له يوميا. وحرق الشريف ورجاله كل ما يمكن أن ينشر روح الشر فى الضيعة، لكن كل هذا لم يجد، فلم تكن الكارثة تخصنا وحدنا، كانت تعم المنطقة كلها، بل هناك من قالوا إن كل بلادنا والبلاد المجاورة قد أصابها الجفاف والطاعون الذى لم أكن أعرف إلا أنه شيطان أسود يقبض أرواح الناس والحيوانات فرادى وجماعات بعد أن يكون الجفاف قد امتص ما فيهم من ماء الحياة. كانت جدتى من أوائل من دفنوا من أهل القرية فاستحقت جنازة كاملة،لم تكن تخاف أحدا، لا من البشر ولا الحيوانات، حتى الأرواح الشريرة كانت لا تخشاها إذ تعرف كلمات سحرية؛ لم تخبر بها أحدا، تدفع بها شر تلك الأرواح، عدا الفأر، كانت تكرهه وتخشاه، وترى أنه من أخفى الشيطان فى جسده ليتسلل إلى سفينة نوح الناجية، ولولا الفأر لما كان فى العالم مكان للشيطان بعد الطوفان الكبير، كانت جدتى فى حظيرة الخنازير عندما تقافز فأر أرعن على قدميها، جن جنونها، أمسكت عصا غليظة وجرت خلفه فى الحظيرة، كان يختبئ منها فى الأركان، وخلف الروث، وبين أرجل الخنازير، وأحيانا يغيظها بالصعود على الجدران، لكنها كانت قد صممت على قتله وكأنها تخلِّص العالم من الشيطان ذاته، ويبدو أن الإيمان الذى بقلب جدتى انتقل إلى عصاها فنزلت بكل ثقلها على رأس الفأر فهشمته، مات الفأر فى لحظة لكننى كنت أشعر أن آثار حركته لم تزل قائمة فى الحظيرة، وشعرت أن عينيه كانتا تلمعان فى رأسه المفتتة تنظران جدتى بقسوة وتوعد بالانتقام، أمسكته جدتى من ذيله، رفعته أمام عينيها، نظرت إليه للحظات كأنها تتأكد من موته أو تتشفى فيه، تنفست بارتياح من أدى مهمة مقدسة، وألقته خارج الحظيرة، ثم قتلت برغوثين أو ثلاثة قفزا من فرو الفأر إلى ذراعيها ورقبتها. فى المساء أخبرتنا أنها شعرت بلدغات البراغيث كأنها عضات ذئب، ولم ينتصف نهار اليوم التالى حتى ظهرت بقع داكنة تحت جلدها فى أماكن عديدة من جسدها النحيل، وكانت لا تكاد تلتقط أنفاسها من تتابع الكحة التى تلاها سيل من القئ المدمم، كان وجه جدتى يتقلص بألم رهيب حتى لا أستطيع أن أميِّز ملامحها فى وجهها العجوز المغضن، وكانت رائحة قيئها تصيب معدتى بالوجع، وقبل أن تغرب الشمس كان القس ترومان يتلو عظته على قبرها. ربما تكون جدتى هى من نشرت الطاعون فى الضيعة بسبب روح الكراهية التى تكمن بقلبها، أو أن الشيطان الذى أخرجته من الفأر سكن جسدها هى، فجارتنا الشابة التى كانت تدعى “الرجل الحقيقى” لقوتها وصلابتها وعنادها وفحش فكاهاتها، ولأن رجلها تابع لها لا يستطيع أن يتحدث من دون أن تشير إليه بالموافقة، ماتت بعد جدتى بأربعة أيام، وكانت من بين النسوة اللائى مرضنها واعتنين بها فى مرضها الذى لم يكمل يومين، وضعت أمى يدها على جسد جارتنا ورفعتها بسرعة متحدثة عن سخونة لم تر لها مثيلا من قبل، وأمرتنى أن أبتعد عن المريضة، لم أخرج من حجرتها لكننى وقفت على الباب حتى إذا غضبت منى أمى وألقتنى بأى شئ كان سهلا علىّ أن أهرب، كانت جارتنا “الرجل الحقيقى” تضرب رأسها بيديها بعنف مشتكية من صداع يفتت رأسها، كانت تحاول أن تشفط بمنخاريها الكبيرين من هواء الغرفة ما يكفى ليملأ صدرها، تبذل مجهودا كبيرا فى ذلك، لكنها لا تحصل إلا على القليل، كان التنفس الصعب يجعل وجهها يحمر حتى ليكاد ينفجر دما، ولم تكن الكحة المتواصلة التى تشرخ الزور بأقل من الكحة التى قتلت جدتى شدةً واستمرارا، ثم ماتت الجارة القوية وهى فى غاية الضعف والهزال، وعلى سريرها آثار الدماء التى خرجت مع قيئها، وكانت أخريات ممن كن حول جدتى قد سبقنها بيوم أو يومين، ومن كل واحدة منهن انتقل الشر إلى آخرين، ولم يكن فى مقدور طبيب الضيعة أن ينقذ أيا منهن إذ سبقهن جميعا إلى الموت حيث كان أقرب الجميع إلى أنفاس جدتى فى لحظاتها الأخيرة، لكن فيما بعد كنت أسأل نفسى، وأنا أرى الموت الأسود فى كل مكان، هل يمكن أن تكون جدتى فقط هى من نشر كل هذا الشر، أم أنهم أصحاب السحر الأسود واليهود كما قال البعض، أم هى غضبة الرب علينا لأننا ابتعدنا عنه وخالفنا تعاليم كنيسته وبعنا أنفسنا للشيطان فتركنا له يفعل بنا ما يشاء كما قال القس ترومان؟ لكن لماذا لا ينقذنا الرب من أنفسنا ومن الشيطان بدلا من أن ييأس منا ويتركنا لهم؟ كانت أمى تتعمد الوجود فى الأماكن التى يكثر فيها الموت، وتقترب من المرضى بحجة أنها تساعدهم، لكننى أعرف أنها تريد أن تحمل الموت بدلا عنهم، لا شفقة بهم بل رغبة فى أن تموت هى أولا، ومع ذلك فلم يخترها الموت سريعا، وكأن لها من العذاب نصيبا مفروضا عليها أن تستوفيه أولا. أما أبى فكأنه وجد شيئا ينسى به نفسه فكان أكثر الرجال الذين يعملون مع الشريف نشاطا وحماسا فى تنظيم توزيع المياه، وعزل الموشكين على الموت بعيدا عن الأصحاء، وحرق مخلفات الموتى خارج الضيعة بعد دفنهم، والسهر ليلا على أطراف الضيعة لحمايتها من اللصوص. زاد عدد اللصوص بشكل رهيب، وكانت جرأتهم قد فاقت الحدود اعتمادا على ما أصاب ضياع النبلاء من ضعف، فكانوا يسطون على الضياع يسرقون أى شئ يجدونه صالحا للسرقة، ويحرقون ما يجدونه فى طريقهم، ويقتلون من يواجههم، لكن بعضهم يخرج وقد حمل معه أيضا ما لم يرغبه قط. وسط كل هذا الموت كان لدى يقين أننى لن أموت، ليس الآن، فالعذراء معى، ربما معى أنا فقط، وسوف تحمينى، برغم أننى لم أزل أنتظر أن تظهر لى وتتحدث معى، وعندما كان اللص ذو الرائحة القاتلة يضعنى أمامه على حصان أهوج ويطير بى فى الغابة، وكنت أحاول الالتفات إلى الضيعة لرؤية أى شئ يظهر منها قبل أن تختفى سريعا، لم أكن أعلم هل أصاب الموت أبى وأمى أم لا، وحتى الآن لا أعرف ما حدث لهما، لكنى سمعت أن الشريف هرمان قتل نفسه إذ لم يتحمل آلام المرض، أما القس ترومان فقد مات أمامى رعبا قبل أن يغمد اللص سيفه فى صدره عندما حاول أن يعظه، وها هى سلسلته الذهبية يتدلى منها الصليب اللامع على صدر اللص، ولن يجد فى الغالب من يلقى عظة بمناسبة موته، وربما لن يُدفن أيضا. أعلم أن العذراء هى التى حمت جسدى الصغير الضعيف من الطاعون الشرير، لكن ربما مارك هو من دفع روح الموت فى اللص الذى ترنح ووقع على الأرض فتهشمت رأسه على صخرة فذكرتنى برأس الفأر التى قتلته جدتى، تناثر الدم من رأس اللص على ساقى الحصان الذى لم يتوقف عن الركض.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق