صورة للشمس لـ”حاتم رضوان”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

305

صورة للشمس

*حاتم رضوان

لما ذاعت الحكاية في شوارع المدينة والحواري، وتناقلتها الألسن في ميدان سعد والمنشية، حتى وصلت الحي الجديد ومساكن الغجر، وعبرت فوق الكباري إلى العزب والكفور، حارت العقول ولم تستوعب، وتوافد أهل المدينة الطيبون على الشيخ العارف بالله، ذائع الصيت ـ شيخ مسجد المحطة.

كانت وجوههم ملونة بالرعب وهم يكيلون له الأسئلة، التي تخرج من بين شفاههم المرتعشة، وقد ارتسمت بنبرات كلها توجس وخوف، بينما عيونهم لا تثبت على شيئ، وهم يرهفون آذانًا تتحفز لسماع صوت الشيخ وقورًا، يهز الصمت الممتد في الزمان، رغم تلاحق الأسئلة، يطفئ غليان صدورهم وهو يفتيهم في أمر الذبابة.

مط الشيخ شفتيه، وضيق من عينيه، وهز رأسه طويل اللحية كأنه يفكر، ثم قال: امهلوني.

   ****

أمام بيته صباح اليوم التالي تجمع الناس من كل مكان في المدينة رجالا ونساء، يملؤون حارة أبو عاشور وشارع عبد الحافظ، وكانوا في انتظارهم للشيخ يحدثون ضجة عالية من أصوات متداخلة: أدعية ترجو الله أن يرفع غضبه عنهم، ولولة نساء تمرسن على الندب في المآتم، وصياح أطفال يلهون وسط الزحام، ويغنون تحت سماء صيفية عن الشمس والقمر والعرائس المرصوصة.

كانت حرارة الجو والرطوبة الزائدة قد وصلتا بالناس إلى أقصى درجات القرف، عندما خرج عليهم الشيخ فور انتهائه من إفطاره، وتناوله حبات دواء السكر والضغط وتصلب الشرايين. كان الشيخ متدثرًا بعباءة سوداء، وكانت ملامح وجهه مازالت مشوبة ببقايا نوم طويل، وطبقة من العرق اللزج الذي أخذ لتوه يتجمع في قطرات كبيرة، تسيل على خديه، وتبلل عباءته.

راح الشيخ يرفع يديه في الهواء من وراء بوابة بيته العالية والمغلقة بسلسلة من الحديد وقفل كبير. كان الشيخ يرجو الواقفين التزام الصمت وعدم إزعاجه لأنه لم ينته بعد من التفكير وواعدهم:

مسجد المحطة ـ صلاة الجمعة.

                                      ****

       والحكاية أنه في مساء ظهرت فيه مذيعة التليفزيون معلنة انتهاء الإرسال، وعزفت الموسيقى النشيد الوطني، ولم يفق الأستاذ مصطفى العتر إلا على صوت الوش المستمر، وفاجأت عينيه الممتلئتين بالنعاس النغبشات الضوئية على الشاشة، فقام يجر قدمين ثقيلتين، وأطفأ التليفزيون. اتجه بعدها إلى حجرة والده الحاج سلامة العتر، صاحب أكبر محل عطارة في شارع السوق، ليغلق الراديو المفتوح على أخر نشرة للأخبار.

       كان الحاج كعادته نائمًا في نور الحجرة، وقد علا شخيره على صوت الراديو الذي بجواره. كان الحاج يقول لأولاده إن نومه في الظلام يذكره بالموت وعذاب القبر وبأنه يرى في الظلام آلاف الثعابين وهي تخرج له من حيطان الحجرة، تذكره بزيجاته الخمس وبنات الجيران ومغامراته التي لم تنقطع إلا من أعوام، بعد ذهابه إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر رسول الله.

       كان النوم قد بلغ بالأستاذ مصطفى العتر مداه، وهو يغلق فمه المتثائب، رافعًا عينيه في تكاسل من على الراديو الذي سكت لتوه، ليرى ذبابة غريبة، لها جناحان ذهبيان وبطن برتقالية. كانت تحوم فوق رأس أبيه. حاول هشها بيده المتعبة لبعض الوقت، لكنه لم يستطع، ولم يعد المحاولة. أدار ظهره للسرير، وقال: أظلم الحجرة وسوف تخرج. ثم خرج، وقد اختلطت في عينيه صورة الذبابة مع بعض مشاهد من فيلم السهرة الذي لم يشاهد نهايته، حتى أنه في اللحظة التي كان يضع نهاية لهذا الفيلم، صحا مذعورًا على صوت آهات عالية.

       كانت الشمس التي أشرقت قد تسللت من بين فتحات الشيش الموارب. نظر إليها دون إدراك لحقيقة ما يحدث. كانت ماتزال قرصًا أحمر غير متوهج، ينام خلف عمارات الأوقاف المقابلة.

       تعالت الآهات أكثر، فتبين أنها آتية من حجرة أبيه. جرى إليه. كان وجه الحاج سلامة العتر محتقنًا، وهو يشير لابنه أسفل بطنه.

       قال له الطبيب المعالج إن أباه يعاني من حالة من الآلام المستمرة، وكتب له روشتة العلاج التي لم تفلح في محاصرة الآلام، وظلت حالته ثلاثة أيام، لم ينم خلالها الحاج لساعة واحدة، حتى انتقل في نهايتها إلى الرفيق الأعلى.

****

       خرجت جنازة الحاج سلامة العتر من جامع عصفور، وخرج وراءه أولاده الثلاثة، وأربعة من إخوته الذين أتوا هم وأزواجهم، تحملهم عربات الأجرة من بلاد بعيدة، وخرج وراءه أيضًا كل جيرانه وكل تجار شارع السوق. كانوا جميعهم قد انتهوا من صلاة العصر جماعة، ثم صلوا بعدها وهم واقفين على روح الحاج، ودعوا له الله أن يجعل قبره نورًا وروضة من الجنة.

       قطعت الجنازة شارعًا صغيرًا، لتنحرف يمينًا في شارع المحطة، حيث فوجئ المشيعون بالشارع وقد امتلأ بحشد كبير من الناس، يمشون وراء ثلاث جنازات أخرى.

       كانت الأولى للأستاذ حافظ منصور ـ مراسل جريدة الشموس البيروتية، وخرجت من جامع الأشراف، والثانية للأستاذ عبد الحميد الهزاز مدير مكتب سفريات الهزاز، وخرجت من جامع الرباط، أما الثالثة كانت للعم بسيوني العامل بمدرسة الصنايع، وخرجت من مسجد أنصار السنة.

       وفي شارع المحطة اختلطت جنازة الحاج سلامة بالجنازات الأخرى، وهم متجهين جميعا نحو الرياح التوفيقي، حيث تقف بجوار الكوبري الصغير أربع عربات إسعاف، تنتظر الأجساد الأربعة كي تحملها إلى مثواها الأخير، هناك بالمقابر المقامة خارج المدينة.

***

  انطلقت عربات الإسعاف مخترقة مدخل المدينة، لتسير فوق الطريق الترابي بين المزارع بعد أن ودع المشيعون الجنازات الأربع بقراءة الفاتحة، وأمطروهم بسيل من الرحمات عائدين إلى بيوتهم، يتحدثون فيما بينهم، وهم يرفعون حواجبهم، ويقلبون أيديهم في عدم تصديق عن الحاج سلامة وحافظ منصور والهزاز والعم بسيوني. كانوا يؤكدون لكل من يقابلهم بأن الأربعة كانوا قبل موتهم من نفس الآلام المروعة التي لم تجدِ معها حقن المورفين، وأقسم أحد جيران الأستاذ حافظ أنه كان يسمع صوت آهاته آتية من الدور السادس، وهو ما يزال في بئر السلم. وعند المساء كانوا جميعهم يحكون بانزعاج شديد عن ذبابة برتقالية لها جناحان ذهبيان، تدخل من الشبابيك المفتوحة، وتحوم فوق رأس ضحيتها، ثم تختفي لمدة ثلاثة أيام، يصحو في أولها النائم مع أذان الفجر، يتحسس أسفل بطنه ويكتم آلامه. يرى نفسه وهو يخرج من كهف مظلم ليدخل في كهف آخر، بينهما شريط طويل تتلاحق صوره أمام عينيه. هو الآن طفل يغني لشمس جميلة. تأتي إليها سحب شتوية. تبتلعها. يغني لعرائس أحبها ولم يصرن غير خرق بالية. يرى شبابه نقطًا سوداء. تزداد آلامه. حسابه مع نفسه عسير. أخطاؤه لا تنتهي. حياته حرام في حرام. يشعل الندم آلامه، التي تتفجر مع طلوع الشمس، وتلازمه حتى نهاية اليوم الثالث، حيث تظهر الذبابة من جديد، وقد انطفأ بريق جناحيها، وتظل تدور فوق رأسه حتى     تسقط بجواره ويموت.

****

       جاء يوم الجمعة، وفتحت كل الصنابير في وقت واحد، وكانت أصوات سراسيب المياه الضعيفة مختلطة بأدعية الوضوء، وظلت الأبواب تئز لمدة ساعة كاملة، وهي تفتح ثم تغلق بسرعة، وأخذ المصلون يصبون في اتجاه الميدان منحدرين صوب مسجد المحطة.

       كانت أصواتهم الخافتة تتداخل وتتوحد محدثة صوتًا كالهدير يغطي على صوت القرآن الآتي من بعيد.

       كان المسجد قد امتلأ عن آخره، وافترش الناس شارع المحطة والشارع المؤدي إلى الكورنيش، وكانت كل البلكونات المطلة على المسجد مملوءة بالنساء اللاتي وقفن يترقبن سماع خطبة الجمعة من الميكروفون المعلق أعلى مئذنة المسجد.

       وفي اللحظة التي صعد فيها الشيخ فوق المنبر، ووقف يحمد الله، أخذ جسده الناحل يهتز في خشوع، وشاهد كل الناس بوضوح ذبابة برتقالية لها جناحان ذهبيان، تحوم فوق رأس الشيخ، وبدا واضحًا أنه لا يراها وهو يرفع صوته المتحشرج مرددًا:

              غضب الله … غضب الله.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق