عشر سنوات علي الشرارة الثورية الأولي..تجليات ثورة يناير في الإبداع المصري

274

*عيد عبدالحليم

تمر هذه الأيام الذكري العاشرة لثورة الخامس والعشرين من يناير, والتي كانت حدثا فارقا في التاريخ المصري الحديث, كموجة أولي للثورة المصرية التي اكتملت بالموجة الثانية في 30 يونيو 2013.

وقد سجل الإبداع المصري أحداث الثورة عبر أشكاله المختلفة في الفنون والآداب.

فظهرت مجموعة من الأغنيات التي واكبت الحدث الثوري, مثل تلك التي غناها رامي جمال من كلمات وألحان عزيز الشافعي عن شهداء يناير, وكذلك أغنية “حمادة هلال” عن الشهداء, في أحداث يناير.

واقيمت العديد من معارض الفنون التشكيلية التي عبرت عن الحدث, فظهرت رسوم للفنانين محمد عبلة وطه القرني ومجاهد العزب وفاتن النواوي وعز الدين نجيب وغيرهم, كما قدمت بعض العروض المسرحية التي عبرت عن الحدث, لكنها لم تكن بالشكل الدرامي المطلوب.

أما فن “الجرافيتي” فقد ازدهر – بشكل لافت للنظر, فوجدنا الحوائط المحيطة لميدان التحرير, في شارع محمد محمود تمتليء برسوم لشهداء الثورة من الشباب, رسمها فنانون هواة, وكانت هذه الرسوم من أبرز ابداعات ثورة يناير, لأنها سجلت الأحداث يوما بيوم.

وقد بدأت الدراما في تجسيد الحدث, مع مسلسل “بنت اسمها ذات” في الحلقة الاخيرة منه, والتي اضافتها مريم نعوم- السيناريست-, في بعض المشاهد من مظاهرات ميدان التحرير في 25 يناير, رغم ان هذه  المشاهد والأحداث ليست موجودة في الرواية الأصلية التي كتبها الروائي صنع الله ابراهيم, ولكن اضيفت حتي تضفي علي المسلسل نوعا من مواكبة الأحداث, حيث عرض المسلسل لأول مرة في رمضان عام 2013.

وكان فن “الكاريكاتير” مواكبا للاحداث بشكل مذهل فظهرت أسماء مميزة في هذا الفن من جيل الشباب, حتي الاجيال السابقة بدأت تزدهر تجربتها مثل النفان عمرو سليم وعمرو فهمي ومحمد حاكم وحسن فاروق ونبيل صادق وحسانين، ومن الشباب ظهرت اسماء مثل دعاء العدل ومحمد عبدالله ومخلوف وعماد عبدالمقصود وفوزي مرسي وسحر عيسي وعمر صديق وغيرهم.

وكان الشعر من أهم الفنون الأدبية متابعة للحدث, فقد صدرت عدة دواوين منها للشعراء حلمي سالم واحمد عبدالمعطي حجازي وحسن طلب وعيد عبدالحليم وكريم عبدالسلام ومحمود الشاذلي تسجل الحدث الثوري.

 

ارفع رأسك عالية

اما الشاعر حلمي سالم في دويانه “ارفع رأسك عالية- والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب, والذي ضم قصائده عن ثروة يناير, نجد التعدد في بنية النص, هذا التعدد يتضافر علي المستوي الدلالي والتشكيلي- بربط الاجتماعي والايديولوجي بالمتخيل الشعري مضافا الي ذلك الاعتماد علي التكرار, في الكلمات والتراكيب لايصال الإيقاع الغنائي للقصيدة, والاتكاء علي تيار الوعي في الكتابة, يصاحب ذلك خطاب إنشادي متدفق, موشوم برموز ومدن وسلالات وأسماء لبشر حقيقيين.

ويتخذ الديوان عنوانا رئيسيا من احد الشعارات الأساسية لثورة 25 يناير وهو “ارفع رأسك عاليأ أنت مصري”, وتجيء القصيدة الأولي “أغنية الميدان” لتلعب علي وتر هذا الشعار من خلال تكراره بين مقاطعها المختلفة:

ارفع رأسك عاليا أنت مصري

الضارب في جذر الماضي, والعصري

خالق أديان الم عمورة, مكتشف الهندسة ومبتكر الري

صاحب درس التحنيط ومبتدئ الرقص

وخلاط القدسية بالبشري

وفي قصيدة “نشيد اللوتس” نجد بانوراما لأحداث الثورة وأطيافها المتنوعة والوجوه المشاركة فيها التي تشكل ما يمكن أن يسمي بالفسيفساء المصرية, المدهشة, فالكل متجاورون متوحدون في النداء لا فرق بين مثقف ومواطن بسيط ولا بين شيخ مسن وشباب ولا بين مسلم ومسيحي:

الليلة صعدت في الميدان شموع

كانت ماء ودماء تمتزجان, فتولد من مزجهما رايات

وهلال بصليب, شرفات, وقلوع

مدن, وكفور, حارات, ونجوع

اسلاميون, ونجارون, شيوعيون, وعشاق

ارثوذكسيون, وصبيان العشوائيات

وعلماء, نساء, يحملن الرضع فوق الكتف

وسباكون, وفوق الهامات العطر المصري يضوع

زخات في الصدر, ورخات في الظهر,

ودبابات فوق ضلوع

يتشكل نهر من لحم ودموع

 

طلل الوقت

اما الشاعر أحمد عبدالمعطي حجاز فقدم في ديوانه “طلل الوقت” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب, صورة لثورة يناير بداية من قصيدته “إرادة الحياة” التي تبدأ بتناص مع قصيدة الشاعر التونسي “ابو القاسم الشابي الشهيرة :” إذا الشعب يوما أراد الحياة”, وتقوم بنية القصيدة علي فكرة الاستنهاض وتحفيز الهمم والخروج من نفق الاستسلام الي افق الثورة, والقصيدة موقعة بتاريخ 28 يناير 2011: يقول “حجازي”:

إذا الشعب يوما أراد الحياة

فلابد ان يسترد مدينته

بعد ان اصبحت لمماليك من اهلها

شركس, وتتر!

صيارفة, وسماسرة

ينصبون موائدهم في شوارعها وحدائقها

ولصوص يصكون عملتهم في مساجدها وكنائسها

يملكون السماء وما خلفها,

والهواء

ويحتكرون النهر

ثم يعلو الخطاب الشعري- في نرة تصاعدية لينادي باسقاط الطغاة- الذين مادوا في طغيانهم, ويقدم الشاعر أسباب موضوعية لهذا السقوط الحتمي:

“إذا الشعب يوما أراد الحياة

لابد أن يسقط الطاغية

لأن الطغاة

همو رسل الموت فينا

وخدامه المخلصون

وضربته القاضية

وان الحياة تموت اذا لم تكن حرة

هواء الزنازين زعاف

وورد الحديقة يذبل في الآنية!

فلابد ان نسترد شجاعتنا

وننادي جماعتنا

ونسير بأمواجنا العاتية

الي الطاغية

نكالبه بالمقابل عن كل ما عرفته البلاد

من الجوع والقهر في ظله, والهوان

وفي القصيدة الثانية التي تحمل عنوان “عودة الوعي” التي يهديها الشاعر الي توفيق الحكيم صاحب رواية “عودة الوعي” فقد كتبها “حجازي” يوم “تنحي مبارك” في 11 فبراير 2011, ويتحدث فيها الشاعر عن عودة الروح الي الشخصية المصرية التي اعادت اكتشاف نفسها- مرة أخرى- وتبدأ القصيدة بجملة تأكيدية:

إنها عودة الروح

عودة مصر الي نفسها

عودة الجزء للكل

والفعل للقول

والملكوت لاصحابه الفقراء

دنسه اللصوص

يعود وقد طهرته الدماء

 

أيضا في ديوان “انجيل الثورة وقرآنها: للشاعر حسن طلب الذي يهديه الشاعر الي “أرواح الشهداء.. أبطال ثورة الخامس والعشرين من يناير” الذين قدموا انتماءهم الي وطنهم علي اي انتماء ديني او طائفي ففاضت ارواحهم وهم يهتفون باسم مصر, قبل كل ملة أو نحلة”, نرى هذا التلاحم والتضافر الانساني الذي قصده “طلب” في الاهداء بداية من فاتحة الديوان التي يقول فيها:

كفي الثورة الآن ايمانها

فمعبدها الآن ميدانها

وقرآنها اليوم انجيلها

وانجيلها اليوم قرآنها

ويعتمد الشاعر علي ما يمكن أن نسميه بـ “شعرية اليوميات” كأنه يريد أن يقدم سجلا لأحداث الثورة من خلال الشعر, حيث يشير الي مفرداتها اليومية البسيطة في لغة مموسقة, جذلة أحيانا, وبسيطة في أحيان  أخىر- وان طغي عليها الطابع الانشادي- باللجوء الي التقفية حتي وان جاءت لغير ضرورة فنية, نلحظ ذلك في القصيدة الافتتاحية “الثلاثاء 25 يناير” والتي يقول فيها:

تبارك الحلم الذي”

لو لم نكن باليد أمسكناه

راغ

تقدس اليوم الذي

فيه تنادينا الي الميدان

لكن نحن لم نأت من الفراغ

نحن تسلمنا

من الذين ثاروا قبلنا

الراية

منقوشا علي قماشها البلاغ

والشاعر هنا يوافق مفهومه للحداث من خلال رؤيته الخاصة, فالحداثة هي الاختلاف من أجل القدرة علي التكيف وفقا للتغيرات الحضاري والائتلاف من أجل التأصيل والمقاومة والخصوصية, وفي قصيدته “اسطورة واقعية” يرد الشاعر علي مروجي الإشاعات ممن ينتمون الي النظام الفاسد بان الثورة جاءت بأجندات أجنبية, وان من قاموا بها “قلة مندسة” كما كان يروج الاعلام الحكومي وقتها فضلا, مؤكدا ان الثورة مصرية قلبا وقالبا مستعينا في ذلك باستحضار أسطورة “البعث” المصرية من خلال شخصية “ايزيس” أسطورة الثورة في الميدان.

واقعية

ساحتها ميداننا

أبطالها أبناؤنا

وقدر روها بالدماء الحرة

الزكية

ورفرفت ايزيس في فنائها

فباركت ثوارها

واصطحبت الي الخلود

شهداءها

من اجل هذا

كانت الثورة مصرية

وعبر التداعي الحر للجملة الشعرية- الذي يصل أحيانا- الي حد التقريرية يؤكد الشاعر علي هذا المنحي:

مصرية تظل في الصميم

منذ انتشرت كالنار في الحطيم

من ميدانها الكبير

في القاهرة الكبري

الي السويس والاسكندرية

ثم اشع نورها

عبر الضفاف المتوسطية

ويستحضر الشاعر بعض الحركات الاحتجاجية التي سبقت ومهدت للثورة مثل “حركة كفاية” و”السادس من ابريل” و”حادثة مقتل الشاب خالد سعيد” علي أيدي بعض أفراد الأمن بالاسكندرية وكان للموقع الذي انشيء علي “الفيس بوك” تحت عنوان “كلنا خالد سعيد” اثر كبير في تحفيز الشباب للخروج الي ميدان التحرير يوم 25 يناير, وكذلك “الجمعية الوطنية للتغيير”, ولا تأتي اسماء هذه الحركات بشكل اشاري وانما خصص الشاعر لكل واحدة منها قصيدة منفصلة قصيرة:

فيقول في اولها تحت عنوان”كفاية” مشيرا الي الرئيس المخلوع

امضي ثلاثين من الاعوام

لم يشبع

ولم يقنع بما امضي

كيف بمن ظل علي الكرسي

طوال هذه الحقبة

يبقي طامعا ايضا!

فعندما قلنا: كفي

قال لنا:

انا.. او الفوضي

فصدقت حبيبتي

مع الذين صدقوا من المعاتبة

او الضعفي

او المرضي

ويقول الشاعر علي لسان شباب الثورة, في لغة تراتبية اشبه بالبناء الهرمي:

نحن الذين اتهمونا

أننا في الاصل كنا:

مستهل الهرج والمرج!

نحن من المصنع اشعلنا لكم

شرارة ا لثورة

قدنا هذه الحملة

قلنا: فاحملوا الشعلة

واصعدوا بها الدرج

ولا تخافوا من غراب الحكم

في سمائكم

فهو كسيح

كلما طار هوي

وكلما مشي عرج

تلك رسالة كتبناها

الي من سيثور بعدنا

تلك وصية

الي من دخل السجن

ومن خرج

 

ويشير الشاعر في قصيدة “هدم وبناء”  الي ان الثورة لم تأت من فراغ فلم تكن مجرد احتجاج او تظاهر سياسي نابع من تفاقم الازمة الاجتماعية والاقتصادية, فقط, بل جاءت نتيجة تراكم الوعي المعرفي بضرورة الحرية:

لا نور كنور العقل

ولا كحديث العقل حديث

لا..

ليس مجرد اسقاط نظام شاخ

وليس مجرد

احباط مؤامرة التوريث

هو ايمان بالعقل

بترك النقل لاهل النقل

واعلان بالحرب علي الجهل

وايذان بمغامرة التحديث

هو سعي نحو طريق الحرية

والعدل

صلاة في محراب العلم

لحمل الكل

علي وصل سماء القول

بارض الفعل

وسعي الثوار حثيث

وعن وحدة المصريين في الميدان يكتب الشاعر مجموعة من البورتريهات التي تشير الي “الوحدة الوطنية” مؤكدا ان ذلك يعد “بطاقة هوية” للقادم بعد ذلك المستقبل

صرنا وما من احد

يعرف نصرا يتنافي في ساحة الميدان

من مسلمنا

شكرا جزيلا

فهو قد اكسبنا الهوية الحق

بقي ان نشير الي شعرية الديوان تعد تكملة لدواوين سابقة للشاعر مثل “قال النشيد” والذي ضم مجموعة من القصائد التي كتبت بعد الانتخابات الرئاسية عام 2005 والتي قدم فيها “طلب” نقدا لاذعا لسياسات مبارك ووزرائه, ولم تأخذ قصائده طابع المواربة أو الرمز, بل اتخذت الشكل الضارب في المباشرة في محاولة للوصول لحالة من كشف الفساد الضارب في اوصال المجتمع.

 

 

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق