فريدة النقاش تكتب :رمزية الحديد والصلب

430

قضية للمناقشة

رمزية الحديد والصلب

فريدة النقاش

لم يفاجئني أن كل أبناء جيلي تقريبا قد أبدوا انزعاجا كبيرا من أخبار تصفية قلعة الحديد والصلب في حلوان. فمصانع الحديد والصلب العملاقة كانت لدي نشأتها في خمسينيات القرن الماضي مفخرة لجيلنا بل ورمزا نتباهي به لاستقلالنا الوطني, ولقدرتنا علي بناء اقتصاد ناهض بالاعتماد علي الذات, وفي مواجهة القوى الاستعمارية التي طالما استنزفت مواردنا.

ليس ميسورا التحقق من الأسباب التي تسوقها الادارة لاتخاذها هذا القرار. ولكن من الواضح أنه يتم في سياق فلسفة اجتاحت العالم كله تقريبا بعد سقوط الدول الاشتراكية واندفاع قياداتها الجديدة المحموم نحو سياسات السوق الحرة والخصخصة, مصحوبة عادة بحملة ضارية علي القطاع العام وعلي ملكية الدولة للمنشآت الكبري نيابة عن الشعب, ويتفنن دعاة الخصخصة في تسليط الأضواء علي ما يسمونه خسائر القطاع العام, متجاهلين الدور المجيد الذي لعبه هذا القطاع في فترات فاصلة من تاريخنا الحديث دفاعا عن الاستقلال الوطني, وإسهاما في المشروع العملاق لتحديث الاقتصاد وترسيخ الصناعة وتوطين التكنولوجيا الحديثة معتبرا أن القطاع العام هو ركيزة هذه العملية القومية الكبري التي عجز القطاع الخاص عن القيام بها لأسباب كثيرة.

ورغم كل القيود علي الحريات في المرحلة الناصرية التي اطلقت حركة التصنيع حتي أن “عبدالحليم حافظ” غني من كلمات “صلاح جاهين” للتصنيع التقيل, أقول رغم ذلك كان الشعب المصري شريكا أصيلا في ملحمة التصنيع, وكان المصريون مقتنعين بأن الطريق الي التقدم يتم عبر بناء اقتصاد منتج, أي يتفوق فيه الإنتاج ويتقدم علي الاستهلاك, وأساس الإنتاج الصناعة.

نشأت صناعة  الحديد والصلب إذن في ظل الزهو الوطني واكتسبت شأنها شأن تأميم شركة قناة السويس وبناء السد العالي رمزية وطنية كبري كان عنوانها الاستقلال والكرامة الوطنية. والدور القيادي لمصر في حركة التحرر الوطني مع الدعوة للوحدة العربية ومواجهة المشروع الصهيوني.

ورغم كل هذا التاريخ المجيد فمن السذاجة أن نظل ندافع عن مشروع “خاسر” كما يقول خصوم القطاع العام, لأننا إذا دققنا في التصريحات المتناقضة التي تتوالي عن القضية سوف يتبين لنا أنه برغم قدم التكنولوجيا المستخدمة في هذا المصنع العملاق فإنه مازال يحقق أرباحا يمكن مضاعفتها مرات لو جرى تجديد التكنولوجيا ومواكبة الحديث منها, مع إدارة وإداريين يعرفون جيدا دلالة الملكية العامة لوسائل الإنتاج, وارتباطها العميق, بل والفاصل بمقاومة التبعية, والتخلص من العقبات التي طالما وضعتها قوي الاحتلال والعنصرية في طريق تطور البلاد بدءًا بنشر الصناعة.

ارتبط الدفاع عن الملكية العامة وتبيان محاسنها إذن بالمرحلة الناصرية, وحركة التحرر الوطني, والتضامن العالمي بين بلدان ما كنا نسميه بالعالم الثالث حين كان العالم منقسما إلي معسكرين رأسمالي واشتراكي.

وأنتج هذا الارتباط العميق مجموعة من القيم الكبري التي رسختها الثقافة الوطنية التحررية, وهي القيم التي سرعان ما تخلصت منها القوي الاجتماعية التي تولت قيادة البلاد بعد الهزيمة المذلة في عام 1967, وسارعت هذه القوي الجديدة التي راكمت ثروات هائلة في ظل الطابع الطفيلي للرأسمالية التي قويت شوكتها بعد الهزيمة واستخدمت كل الوسائل لتشويه دور القطاع العام ومفهوم الملكية العامة التي اعتبروها أموالا “بلا صاحب”.

وكانت من أشهر الأفعال الرائجة في هذا الزمان أننا خسرنا الحرب بسبب القطاع العام, ولو كانت زمام الأمور في يد القطاع الخاص لكان لنا شأن آخر, وكنا بالقطع- حسب قولهم- سننتصر.

ولكن هذا الوضع المأسوي لم يدم طويلا فقد اندلعت حرب الاستنزاف, وبعد ست سنوات فقط من الهزيمة المريرة حققت مصر انتصار اكتوبر المجيد, وقال قادة عسكريون حينها إن القطاع العام لعب دورا محوريا في تحقيق النصر, وشركة الحديد والصلب في القلب منه.

يظل إحياء قيم الملكية العامة والتضامن بين البشر والكادحين منهم علي نحو خاص مهمة وطنية, لأن اشاعة مثل هذه القيم في مواجهة الرأسمالية المتوحشة والفردية الأنانية التي تلوث المنابع الأخلاقية لحياة المصريين, هو فرض عين.

ورغم التحولات العاصفة التي شهدتها بلادنا ضمن عالم قلق تهدده الحروب والمجاعات, ويكاد الظلم الاجتماعي أن يصبح القانون السائد فيه, أقول رغم ذلك- وربما بسببه من يدري- هناك مثقفون مصريون- وليسوا بالقلائل مازالوا ممسكين بجمر النزاهة والحكمة, يدافعون عن القيم العليا التي أنتجها الشعب في سياق كفاحه المجيد من أجل الاستقلال والعدالة والمساواة والكرامة الانسانية, وعلي مثل هؤلاء يعول كل الذين يتطلعون بشوق لغد أفضل لبلادنا وللإنسانية كلها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق