“الكلب” قصة لـ”د. أشرف الصباغ”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

168

“الكلب” قصة لـ”د. أشرف الصباغ”

في الثامنة تماما اتخذ كل منا مكانه حول المائدة العامرة بما لذ وطاب بداية من “المازة” حتى الويسكي، مرورا بلحم الضأن والدجاج والخضروات. قمتُ بصفتي أقرب الأصدقاء برفع النخب الأول في صحة صاحبي وصديقي الحميم، وتمنيتُ له عيد ميلاد سعيد وعقبال مائة ألف سنة.

لم أكن أعرف جميع المدعوين بمن فيهم صديقته الجديدة. فقد تعرفت على القليلين منهم بشكل عابر في منزله. توالت الأنخاب. راح كل منهم يسمعه أسمى وأرق ما أبدعته الخمر من أشعار. انتفخ صاحبي وصديقي الحميم كالعادة. صهرتنا الخمر ووصلتنا الأحزان والأشجان. جذبني صاحبي وصديقي من أذني أمام الجميع، ثم اقترب بي من صديقته الجديدة، وراح يعاتبني باختيال وكبرياء على شيء ما لا أعرفه.

في الثالثة صباحا انصرف من لم يأت مع صاحبته. بعد قليل اصطحب آخر المدعوين فتاة كانت قد انصهرت معه في قاع الكأس، فبثته أحزانها، وبادلها أشجانه، ولعقا معا آخر الكلمات المتبقية على حواف ذكريات عالم الخمر والحب السريع. كان صاحبي وصديقي قد وعدني بقضاء الليلة عنده بالغرفة المجاورة، ليس بسب بعد منزلي فقط، ولكن لأن الجميع لديهم سيارات والوقت أيضا متأخر. خجلتُ أن أذكِّره بذلك أمام صديقته الجديدة، وكنتُ أعرف أنه يستطيع القيادة في كل الحالات، وهو أيضا يفتخر بذلك، فصافحته وتعانقنا، وأغلقتْ صديقته الجديدة الباب خلفي.

قررتُ السير حتى أقرب ميدان. رفعتُ ياقة معطفي الجديد. أخفيتُ رأسي بين طيات “الكوفية” ورحتُ أستعرض ما حدث الليلة. اختلطتْ الوجوه والسحنات. حاولتُ استرجاع آخر الوجوه فلم أفلح. تقلص الكون فجأة عن جسد ضخم يندفع باطِّراد صوبي. تلبستني حالة سكون فجائي. توقف الجسد، ودقات قلبي أسرع من عدو الأفكار والهواجس. شعرتُ بدفء ما عند القدمين. راحت حالة التشيؤ تذوب في بطء تحت أنفاسه المتوالية التي تتصاعد على شكل سحابات بخار بيضاء. أدركتُ بالغريزة أنه هو. راحتْ عيناي تجوبان كل الزوايا والمستويات في جميع الاتجاهات إلا في تلك المساحة الصغيرة تحت قدمي. حاولتُ السير فلم أقدر. جلستُ على الرصيف فمد لسانه الساخن ولعق كفي. جذبتُها بسرعة، ويبدو أنني صرختُ أو صدر مني شيء ما من هذا القبيل، ولحسن الحظ لم يكن هناك أحد من المارة. واتتني رغبة ملحة في التبول، لكن المسافة بيني وبينه لا تسمح لي بحرية الحركة، والرعب الفاصل بيننا يخلخل حيز الهواء المحيط حتى صارت ممارسة أي شيء سوى الخوف غير محمودة العواقب، بل وسوف تكون محفوفة بالمخاطر. تحول كرهي في هذه اللحظة لجميع الحيوانات إلى هلع. كنتُ أكرهه خلافا عنها جميعا، بل وأحتقره، ويصيبني القرف عند مروره أمامي، لكنه الآن سيد الموقف وسيدى، ولولا ضخامة جسده لكان لي معه شأن آخر. فكائن بمثل هذه الأنياب وهذا الوجه الشرير لن يعطيني حتى مجرد التفكير في التبول على نفسى. قررتُ أن أجرى وليحدث ما يحدث. اقتلعتُ قدمىَّ مسابقا الريح التي تلعب بأعصابي وأفكاري. نظرتُ خلفي.. كان يتابعني محافظا على المسافة بيننا. لعنته بصوت عال. هدَّأتُ من عدْوى. لم تقصر المسافة بيننا. توقفتُ فتوقَّف. استدرتُ ناحيته، اقتربَ منى في هدوء وراح يمسح رأسه ووجهه في قدمي. أبعدتُه بهدوء وخوف. قبع ثم رفع رأسه إلى أعلى ونظر مباشرة في عينىَّ. أطال النظر. لعنته ولعنتُ آباءه وأجداده وكل الأسباب التي وضعتني في طريقه النجس. لا أدرى من أين جاءتني تلك القوة فصرختُ فيه ودفعته بقسوة واحتقار. أسعدني الحظ في هذه اللحظة بسيارة. قفزتُ بسرعة وأغلقتُ الباب. انطلق السائق وهو ينظر مندهشا إلى وجهي في المرآة. مسحتُ العرق المتصبب ونظرتُ في توجس من طرف عيني إلى المقعد الخلفي. عندئذ راح الخوف يتسرب خارج السيارة.

عندما فتحتُ باب شقتي في الصباح انتصب بجسده الضخم أمامي. طأطأ رأسه مقتربا مني. نظرتُ إلى وجهه بإمعان وظللتُ ممسكا بمقبض الباب. رفع عينيه سريعا ونظر بحدة. كشرتُ عن أنيابي محدثا صوتا غريبا. أغمض عينيه واقترب أكثر. تذكَّرتُ نظرة صاحبي قبل أن تغلق صديقته الجديدة الباب خلفي. دفعتُ بابي برفق، فاندفع إلى الداخل ناظرا إلىَّ نظرةً طويلة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق