“الدفن ليلا” لـ”جمال فتحي”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

190

“الدفن ليلا” لـ”جمال فتحي”

لم يلحق الكثيرون بجنازة أمي التي تمت تحت ضوء المصابيح ، وحضرها نفر قليل من الأقارب والأهل والجيران ، لذا ظلوا جميعًا في العزاء للنهاية رافضين الذهاب ، كانت جنازة حانية ودافئة ، بدلت لدى وحشة الدفن ليلًا
………
أحببت المقابر ، وصار ليلها مختلفا بالنسبة لي ، من ابتسامة أمي فى الغسل ، ومن دفنها الذى بدا ميلادا واحتفالا ، أحببت الدفن ليلا ، فالمصابيح ينعكس ضوئها على شواهد القبور، والصمت طبيعة المكان ودين أهله جميعا ، وقفنا أفرادا قلة ، أبصارنا الحادة أضاءت بلمعانها للرجل قاع المقبرة ، تخيلت عرائس وملائكة أطفال وشيكولاتة وطراطير ، تولد أمي الآن ، فلماذا هذا الصمت الحزين الغامض؟! حركة “التربي” ، احتكاك فأسه بأديم الأرض ، لون كفه الذي يشبه التراب تماما ، جرأته ، رائحة عالم مجهول تنبعث من طبقات التراب حين يقلبها الرجل ويرشها بالماء بعد أن تخترق أنوفنا ، فكرت صامتًا: الموت واضح ونحن غامضون! جرئ ونحن جبناء، صادق ونحن كاذبون لا ينس أبدًا،
………..
لم يجرؤ مخلوق أن يمنعني من حضور غسل أمي ولا حتى من باب الخوف علي من الانهيار ، كانت نائمة مثل عروس تركت جسدها لماشطة تجهزه للزفاف أو كأنها في حمام شعبي تأخذ قسطا من التليف والاغتسال بماء الورد والخل تحت البخار من أجل ليلة لن تنسى بين أحضان عريسها المنتظر ، تدلت ضفيرتاها من خلف رقبتها إلى صدرها بينما خداها يفوران بالدماء الحارة والطازجة ، توقفت عن البكاء من فرط ذهولي ، كيف أبكي وأنا أكاد أرى ابتسامتها حتى كادت أن تحدثني كعادتها ، خفت أن أناديها أو أكلمها فترد! أمسكت كفها الأيسر وتركت لأختي الكبرى كفها الأيمن ، كانت المُغسْلة تغسلها حسب الشرع ، غُسْل لا يخلو من أخطاء، ونحن نرقب ونتابع بينما أنا وأختي ندلك كفيها بحنان وننتظر منها كلمة تؤكد وفاتها ، كفاها طريتان ونديتان كأنهما رغيفا خبز طازجان خارجان للتو من نار الفرن لفم طفل جائع،

انتهى العزاء ، انصرف الأهل والأصدقاء والمعارف ، بقيت وحدي في متاهة باتساع الكون ، تذكرت “توهتي” صغيرًا فى السوق ، والأرنب ميشو ، وضرب أبي لها،..
دخلت غرفتي أجر نكبتي الثقيلة كجبل؛ سقطت على السرير صامتًا ، تخيلت سحر عادت فجأة: ربتت على كتفي و طبطبت على ظهري وصدري كطفل ، كونها تعلم ماذا تعنى لي أمي دون أخوتي.
عانقتني بحنان وضمتني لصدرها بعطف وإشفاق: ، ارتميت بين ذراعيها و خبأت وجهي وبكيت غصت فيها … ضاجتعها كما لم أفعل من قبل ، بينما وجه أمي على طاولة الغُسل يبتسم لي!

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق