“تعلوه فراشة كريستال” قصة لـ”وداد معروف”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

218

“تعلوه فراشة كريستال” قصة لـ”وداد معروف”

كلما أمطرت السماء ارتجف قلبي، أحب المطر جدا لكني أخافه ؛ فتبعاته ليست سهلة أبدا؛ تجعلني أتعجل انتهاء هذا الفصل الثقيل، وقد كان من حظي السيئ أنه يستغرق معظم العام الدراسي.
ظللت على مدار ثلاثة أعوام وأنا أطلبها من أخي ومن أبى، تتكرر الوعود ويتكرر الاعتذار، ويمر شتاء إثر شتاء, وأيضا هذا سيمر … وأعلم أنها لن تأتي، كم حلمت أن أخي استجاب لاقتراحي وجنَّب مبلغا من المال وأعطانيه , وأني ذهبت به إلي المتاجر التي أمر بها يوميا فأتفرج على معروضاتها في “الفتارين”، حلمت كثيرا أني دخلت وجلست علي مقاعدها وأسندت ظهري للخلف، وهرول إلىّ العامل وسألني عن الموديل الذي أعجبني فأطلب منه أجمل الموديلات “الفتارينية”، فأضع قدمي فيها كلها؛ لأجربها لكني في الأخير لن أرضى ولن أبتاع منهم إلا الحذاء الأسود اللامع ذو الفراشة الكريستال، كل هذه الأحذية الجميلة انتعلتها في أحلامي، لكن بقي هذا الحذاء الأنيق بفراشته الكريستال هو حلمي السعيد، أتخيلني أجلس في فناء المدرسة أمام زميلاتي واضعة ساقا علي ساق وقد أطل قرص الشمس علينا فتسطع أضواؤه علي حبات الكريستال فينعكس نورها على سور المدرسة ، فتنجذب عيون الفتيات لحذائي الجميل.
حلم طالما راودني، لكني أظنه كان بعيدا، فالواقع بائس جدا، كم كانت لهفتي شديدة حينما عاد أخي يحمل في يده كيسا لمتجر أحذية شهير في مدينتنا، أسرعت إليه وجذبته من يده وبسرعة خاطفة فتحته وأنا متأكدة أنه الحذاء الذى طالما حلمت به، كانت حسرتي أضعاف لهفتي على فتحه, زوج من الحذاء الرجالي ثقيل الظل فاقد الجمال، قرأ أخي ما بوجهي من حزن فقال لي: رؤى …. أعرف أني وعدتك كثيرا …لكن كما ترين … وخلع حذاءه من قدمه وأشار إلى كسر عرضي في نعله وفتق في جانبه الأيسر وأكمل كلامه معي :
استحييت من زميلاتي وزملائي في العمل واشتريت هذا وأعدك أنك لن تخفي قدميك العاريتين من زميلاتك نهاية الشهر القادم، اغتصبت ابتسامة مهيضة هززت بها رأسي وعدت إلي حجرتي التي لم يستطع سقفها أن يمنع دفعات المطر المتوالية عن إصابة كل شيء فيها، فراشي وكتبي وحصيرة الأرض التي غرقت تماما، ذهبت إلي أمي باكية شاكية لائمة لها، أنها لم تستعد هذا العام وتغطى حجرتي العلوية بالمشمع البلاستيكي الكبير، أخذت رأسي في حضنها ومسحت دموعي بيدها و هي تقول:
والله يا ابنتي يأتيني أبوك بأجره اليومي فلا أدرى أأنفقه علي الطعام أم على مصروفاتكم ولوازمكم الدراسية أم على فاتورة المياه أم الكهرباء ؟ ألبي احتياجاتٍ قبل غيرها حتى دخل الشتاء ولم أستطع تجنيب مائة جنيه لهذا الغطاء, حتى المبلغ الذي يساعدنا به أخوك لا يقوى علي الوقوف قبالة كل هذه الهجمات القاسية من الاحتياجات.
سحبت رأسي من حضنها وقلت:
لكن غرفتي ساءت حالتها جدا بعد المطر. كل شيء فيها رطب ومبلل، تصرفي يا أمي تصرفي.
صمتت قليلا تفكر ثم قالت لي:
ستُحل يا رؤى ، سأجمع شكائر الأرز وحبوب الطيور وأدفعها لعمك إسماعيل جارنا فيجمعها بخيوطه مفرشا كبيرا نشده حول سقف غرفتك العلوية بالحبال؛ فتنعمين فيها بالدفء وتستطيبين المذاكرة فيها.
وفي الصباح اشتدت زمجرة الريح وهطلت الأمطار بغزارة أشد من أمس, انتعلت حذائي الصيفي وذهبت لمدرستي بعد أن غطى طين الشوارع قدميَّ تماما، ونقش علي ملابسي نقوشه البائسة من أسفلها حتى منتصف ظهري ، ولما دخلت المدرسة قبل طابور الصباح بدأت أول طقوسي, ذهبت لدورة المياه فنظفت قدميّ التي كادتا أن تتجمدا من المياه الباردة ثم نظفت حذائي ومسحت بالماء ما استطعت أن أصل إليه من ملابسي, عدت للطابور ووقفت وسط زميلاتي اللاتي غاصت أقدامهن في دفء الشراب ثم الأحذية الشتوية الطويلة والمحكمة، أسقطت تنورتي لأسفل قليلا حتي تواري أصابعي العارية والتي تحول لونها إلي اللون البنفسجي من شدة البرد.
وإذا نسيت وأنا في مقعدي ومددت قدمي تحت الدرج، ذكرتني نظرات المعلم لأسفل تجاهي فأعيدها للخلف مرة أخري، ربما كان معلمي لا يراني أو ينظر لشيء آخر, لكن هكذا كان يخيل إليَّ أن قدمي محط أنظار الجميع, سأظل في قاعة الدرس في هذا اليوم الماطر ولن أغادرها لأتحاشى تعليقات زميلاتي القاسية. لن أعطيهم الفرصة ليُسمعوني هذه التنبيهات التي تجعل لساني ينعقد ولا يستطيع الرد.
– رؤى …أليس لديك حذاء شتوي تلبسينه؟
– رؤي … كيف تسيرين بهذا الحذاء المكشوف في هذا الطين الفظيع ولا يتلوث حذاؤك به!!؟؟
– رؤى… وهذه المرة كانت همسة في أذني من هند زميلتي ومنافستي في التفوق: عندي حذاء لم أعد أرتديه آتيك به؟ أنا أختك لا تستحي مني.
كان وقع هذه الهمسة علىّ أليما جدا, لأنها جاءت من هند بالذات, لست أقل منك يا هند لِمَ تُسمعينني هذه العبارة, لكني سررت بنفسي حينما رفعت رأسي في شموخ وقلت لها: أشكرك أنا سعيدة بهذا الحذاء ( الديكولتيه )
ومر النصف الثاني من العام الدراسي ولم يأت الحذاء، وفي صباح يوم جميل اخضوضرت فيه الشمس وابتسمت, أعلنت الإذاعة المدرسية فوز الفريق الذى أنا إحدى عضواته في مسابقة أوائل الطلبة على الجمهورية، وأن على الفريق أن يستعد أول الأسبوع القادم لمقابلة السيد المحافظ في حفل لتكريم أوائل الطلبة والتقاط صورة مع سيادته تعلق في مكتب مديرة المدرسة ومن ثم عليكم الاهتمام بمظهركم جيدا.
ظللت طوال الأسبوع أكثف الدعاء أن يجعل الله هذا اليوم صحوا صافيا فلا تسقط فيه الأمطار فتحرجني، واستجاب الله لدعائي وصعدت إلي مسرح التكريم والشمس تشاغبني، ومددت يدي للمحافظ في سعادة ليس مردها التكريم، ولكن لاستجابة السماء لي وإرسالها الشمس مشرقة جميلة تؤازرني في وقفتي هذه، لم يلفتني من هندام زميلاتي إلا أحذيتهن وطراوة الدفء اللائي ينعمن به داخلها، وإن كنت أنا أميزهن علما وخلقا لكن كلما وقعت عيني علي أحذيتهن شعرت بوحشية الفقر وجبروته.
لم يخطر ببالي أنه حين سألني أبى وأخي عن الهدية التي أريدها مكافأة لي عن تفوقي في الثانوية العامة وحصولي علي المركز الأول علي المحافظة أني سأصيح وقلبي يهتز طربا قائلة: حذاءين أحدهما أسود لامع تعلوه فراشة كريستال وآخر أبيض لؤلؤي علي جانبيه ثعبان ذهبي.
وتحقق الحلم وصرت طبيبة شهيرة وما زلت كلما أمطرت السماء يرتجف قلبي من الخوف حتى بعد أن جمعت في خزانة أحذيتي عشرات الأحذية الغالية الأنيقة، وأوقفت مبلغا سنويا لشراء الأحذية الغالية لهؤلاء الأطفال أصحاب الأقدام العارية والأصابع البنفسجية فلن يشعر بهم أحدٌ مثلي.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق