طزاجة القرية المصرية فى مجموعة ( مربط الفرس ) القصصية  للقاصى الدكتور / مرعى مدكور

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

194

طزاجة القرية المصرية فى مجموعة ( مربط الفرس ) القصصية  للقاصى الدكتور / مرعى مدكور

بقلم / عبدالله مهدي
تخدعن اللوهلة الأولى فى مجموعة ( مربط الفرس) للقاصى الدكتور/ مرعى مدكور، ،بتجنبها أى اتجاه للاختيار والانتقاد فى تصويرها للحياة ،فى سراديب القرية المصرية،فقد منحتها شخصيات وأحداثا كما تراها العين..
ولما كانت الفنون جميعها،تتضمن نوعا من الاختيار والانتقاد ، فقد عرى القاص شخصيات وأحداثا وهزات اجتماعية ، تتجلى جميعها من خلال رصد أهم الملامح التى تشكل فى مجملها الرؤية الفنية عند القاصى في مجموعة (مربط الفرس) ومنها: :_
الشخصيات التى تدخلنا بهامشيتها على نحو : الأبله فى قصة ( مربط الفرس) ،والأستاذة قصة 1.
(فى( الأستاذ ) ، والنص فى قصة ( تحقيق) ..
.2_السر د من خلال عين الكاميرا والذى يتضح أمامنا فى جميع قصص المجموعة وتوظيف القاص له ليفضح نفسية أبطاله. …
استخدام القاص المعادل الموضوعي على نحو : قصة( الشلاقمة ) القرية / الوطن / الأمة. …_3
. ائتلاف لغة المجموعة مع الوعى الشعبى بمعتقداته وذلك فى كل قصص المجموعة …4_
ويدور ذلك على النحو التالى:
أولا: الشخصيات التى تخدعنا بهامشيتها:
القاص مغرم بهذه الشخصيات التى تعيش بيننا ولا نعرها اهتماما لأننا نرى هامشيتها ولكن الحقيقة غير ذلك ،ففى قصة ( بهلول) فى مجموعته القصصية السابقة ( الليالى الطويلة ) تطالعنا شخصية ( بهلول ) الأبله) ،والذى استغله شباب النجعين الشرقى والغربى المستنيرون للسخرية من مرشحى الانتخابات وهما شيخى النجعين ….
أما الأبلهفى قصة مربط الفرس( رسالته تسيل على جانبى فمه ) ص١٧ ،ورغم أن الفعالة ( أم فايز ) والذى يعمل معها دائما ما تضربهإلا أنه لا يندد ولا يحتج ( طالبة منه أن يسكت ،ولا يصرخ ،ولا يستغيث ،ولا يرد الضربات المناهضة عليه ،ولا يحاول أن يخلص نفسه) ص١٦، فهو ( على باب الله) ص٢٥ ..رغم هذه البلاهة البينة إلا أن غريزته الجنسية متأججة ( يوجد هو نفسه دون إرادة قد توقف عن لف اليد ،ويحلق فى النهر الذى يشق فتة الصدر من أسفل وما أن تحس صاحبة الدور ،وهى منحنية ببصته ولهيب عينيه اللتين تندب فيها رصاصة ) ص١٦ ،لا يتوقف عن البحلقة رغم ما فعلته ( أم فايزة ) فيه ،
إلا حينما تلملم صاحبة العجين نفسها ( وبحلقته المستمرة تثيران غيظتها،ويجعلانها تزيد من قرصيها
وخمشها وضربها ولا تهدأ إلا بعد أن تكون صاحبة العجين قد لما نفسها ) ص١٧وهذه الشخصية البلهاء الفتوة متنفسا لكل المحرمات ( والنسوة تفشخن حنوكهن ويلعن الريق وهن يتفرجن خشبة الجامد وتقاسيمه .، بعد أن غاب الرجال فى بلاد الغربة واقتصرت طلاتهم على المو اسم)
(ص١٠)وتشكشك إحدى الجميلات والتى تعانى الجوع العاطفى والجفاف الجنسى __ فكرة ارتوائهاالجنس من هذا البهيمى الأبله( وتشكشكها الفكرة التى راودتها وأججت عاطفتها الفوارة ،يلج عليها الجسد الجا ئع ،والمتشقق من قلة الرى ،فتمنى نفسها بما افتقدته منذ غاب رجلها ،مثل أغلب شباب القرية ،منذ سنين ليطل أياما كل حول ..) ص١٨، وتهيئة للمعاشرةوتجامعه …، تعلم أم فايز بذلك من خلال تصرفات الأبله ،بالسن عليها بالكلام من جانب فمها: ( عاشرك يا قحبة !!! فيحرم وجهها خجلا وتنظر إلى الأرض) ص٢٢
وتكون نهاية الأبله فى ( مربط الفرس ) بنهاية الأبله الأخر ، تكشف لنا أم فايز عن سبب قتله حينما ترفع ذيل جلبابه وهو معلق لتفضح الجسد المعلق رافعة لأعلى ذيل جلبابه المطرطش بالدم ،. ليكشف الجمءع أن عضوه مبتور من الآخر…..) ص٢٦ .
** وفى قصة ( الأستاذ ) يخدعنا الأستاذ بها مشيته فهو وحيد لا يشارك فى شئ ( يقتلك صمتا ،وهدوءا ،ورقة ،وحدة ،وانسحابا من التوترات فى فائقة الحد ، والرغبات ،والأمنيات ،والصراعات بأشكالها وألوانها ) ص٢٦ ،إلا أنه كان يخرج من قمقمه فى حالتين : الأولى : حينما يسمع الزعيم / جمال عبد الناصر قائلا : أيها الأخوة المواطنون ؛ رغم أنه غاب عن أهله فى سيناء بفعل عدوان ٦٧ ،حيث كان فى وقت الحرب بعيدا عنهم فى بعثة تعليمية _ لأنه يرى النجاة لوطنه وأمته فى تنفيذ حلمه القومى الوحدوي التقدمى …
.والحالة الثانية التى يخرج فيها من قمقمه : عندما يجلس بجوار الأمل/ محمد الذى رأى فيه مبدعا فى تشكيل آلات النقل مما دفعه إلى أن يكتب خطابا لشركة وطنية ( شركة النصر لصناعة السيارات ) للاستعانة بموهبته فى إعداد التصميمات …وتجلى للجميع مشاركته حينما يفتح المقعد بعد موته حيث وجدوا ( عقود مشاركة متعددة : زراعة ،مشاركة على خمسة بقرات ،عدد كبير من الأرانب حينما يقصده أهل العشم ،وعندما يجئ أحدهم بالمكسب يتركه لهم ….) ص٣٦، ٣٧ .
* وفى قصة (المكتشف) حيث طبيعة المجتمع القروى الذى يرفع من قيمة المشاركة يكتشف بطل القصة الهامشى نفسه بمشاركته فى البداية جاره أحزانه حينما مات ابن ابنه المولود ابن ليلته والغائب والده عن البلاد ، حيث يقول جد الطفل الميت ( أبوه لو عرف الخبر يم ت فى الغر بة ) ص٥٩ ..وبعد أن اكتشف بطل القصة أهمية المشار كة بين الناس بعد جناية المولود ( من يومها ،ما إن يرتفع صوت مكروفون جامع قريتنا معلنا حالة وفاة ينفض يديه الاثنتين مما بهما ويعدل قبة جلبابه الواسع ، ويهم مسرعا ) ص٦٢..
وحينما شارك أهل قريته أحزانهم أضحى بؤرة لعيونهم ( المرة الأولى التى تتطلع إليه فيها العيون وتتركز
عليه وتفسح له الطريق ، ويصبح بؤرة اهتمام أمة لا إله إلا الله.. صحيح للموت رهبة ) ص٦٣ …..وفى قصة (تحقيق) حيث تطالعنا شخصية لو قدر لواحد منا مقابلتها لن يعرها اهتماما هذه الشخصية تخدعنا بهامشيتها ( النص) مساعد المركبى ( أوقف المراكبى معديتة ،وربطها فى سلسلة على شاطئ بحر يوسف ،. وجاء فى ظله مساعده( النص ) النحيل ،كما عود القصب ،والذى لا يزيد طوله عن عدة أشبار …) ص٦٨ …
هذه الشخصية تدوخ الدنيا كلها فى حكاية قاتل صراف الأوقاف وتلجأ الحكومة لحيلة تجمع بها أهل القرية لمعرفة من توجد به مواصفات القاتل ، لتعلن بأنها ستوزع بنفسها أقمشة وبطاطين وخياما،فيجتمع أهل القرية جميعهم ،
( حتى من طلعوا لتقليب أرزاقهم ، وصولهم مراسيل بشارة بما ستوزعه الحكومة)( ص٦٨ …)
وتنجح الحكومة بأساليبها العلمية فى كشف قاتل الصراف / النص : وكيف أن صورة وجه( النص) ويده وزراعه التى طولها شبركانت آخر ما التقطه العينان المفتوحتان على آخرهما …وكيف تقدم الطب الشرعى
فى بلادنا حتى كبر الصورة عدة مرات .،) ص٧٣ …
….وفى قصة ( ومتى تجئ البشارة ؟!! ) حيث تقف الظروف الاقتصادية و العائلية ،والبيئية بين الراوى / بطل القصة / الهامش / الذى لا يملك فعل شئ وبين محبوبته ، فبعد انبهار والده بجمالها ( وطرقت باب دارهم ،تجلت حبيبتى فى طلتها مثل القمر ،أسارير وجهها كلها متهللة ،ودخلت مسرعة والفرحة تنط من عينيها معلنة قدومنا…وقتها همس أبى وهو يرمينى بنظرة مفرحة :
_ طالع لجدك ( حريف نسوان …!! ) ص٨١
لكن الوالد حينما يكشف حقيقة النسب يبتره من البداية بوضع العقدةفى المنشار بقوله: ( وعليكم مثل ما علينا ..) ص٨٠و إلى الآن ينتظر الراوى / المحب البشارة من عند المحبوب…متى تجيئ البشارة ؟!!
الواضح أنها لن تأتى …
ثانيا : السرد من خلال عين الكاميرا السنيمائيه::
** بعين الكاميرا السينمائية يلتقط القاص صورا لفظية فى كل قصص المجموعة على نحو : قصة ( مربط الفرس) حيث تلتقط عينا الفتالة ( أم فايز ) : / عين الكاميرا صورة تقطر بؤسا ومعاناة ومأساة لهؤلاء الأطفال الذين يلهون حولها ( وتروح عينا هاإلى المؤخرات العارية لهؤلاء الصغار ،تختلط فيها بقايا الخراء بالذباب المجتمع عليه فى كتل رمادية كأنها طرد نحل عسل على جريد نخل ، فى سرعة تسد فتحتي أنفها ، وتمصمص شفتيها عندما تدقق فى وجوههم وتجدهمسحنة واحدة ..) ص ١١، ١٢ .
وها هو القاص يصور بكاميراته اللفظية أداء الفتالة( أم فايز ) / الفنانة التشكيلية ورشاكتها فى التقاط
خيوط الشعرية / ريشتها، ونثرها / تحريكها على الفرش / اللوحة لتخرج لنا أشكالا فنية دون أن تدرى
ودون إحساس بجمال ما أبدعت …( وهى ترجع بجسدها للخلف مع كل قطعة ونثرة ،لتستقر هذه الخيوط فى أشكال مجتمعة على الفرش : عصافير / جمال / ركائب/ عرائس / أحصنة / أشكال لا معنى لها ..) ص١٤ .
ولعل أروع الصور التى نقلتها لنا كاميرا القاص اللفظية لحظة المعاشرة بين ذى العذوبة الذابلة _ نتيجة عطشها الجنسى الرهيب لسفر زوجها للخارج __ وبين الأبله صاحب البنيان الفتى ( وحدتها تحرقها فتبتلع
طريقها بصوت مسموع أيضا ، تنسحب للداخل وتغير ملابسها ، وتبقى على سنجة عشرة ،وبدافع قوة هائلة فى جسدها تسيطر عليها تزعم الباب وتعود إليه لتشده من يده ، تمسح فمه ويده من السمن المعكوك عليها ،وتشب على مشطي قدميهاوهى تقف أمامه ملتصقة بجسده كأنها تقيس طولها بطوله وعيناها تتمشى عليه فى شراهة ، تجد نفسها تتصرف كأنها الرجل وهو الزوجة ،تدارى خجلها وهى تتشبث بذراعيه ، وعندما تشعر بسخونة تحرق بدنها تسحب جلا بيتها لأعلى وترفع ذيل جلابيته فى الوقت نفسه ،ويقشعر جسدها فتنطرح عليه بهجوم من خشم وضرب على الصدر اللاهث ،يوقعان على الأرض ولا تدرى بنفسها إلا وهى تنتفض مثل عصفور بين فكى الأسد …) ص٢٠ ،٢١ .
وفى قصة ( الأستاذ ) يرسم القاص بكاميراته اللفظية صورة لخرجة جنازة الأستاذ الأولى فيقول : ( خرجته كانت خرجة ملوكية : طبل ،وزهر، وزغاريد ،وخشبته تقف أمام كل بيت ،ويقابلها الناس بالدعاء ،والرحمة، والعيون تحس بالدموع ، وبكائيات حزينة تنتقل من امرأة إلى أخرى ) ص٣٥ ..
…وفى قصة ( تحقيق ) يترك القاص كاميراته اللفظية لتنقل لنا الحالة النفسية القلقة والغاضبة للضابط الذى يخاف على مستقبله الوظيفى إن لم يكتشف الجريمة ( والباشا، صاحب الكتفين المرصعتين بالنجوم والطيور ، ينتقل من صف إلى صف إلى ثالث …ورابع..الخامس..ويعود ،وموجة غضب تكسو وجهه وزفيره يحرق بلدا بحاللها ،،إلى منتصف الدائرة ،كأن النجوم والطيور تكاد تسقط من فوق كتفيه …) ص٧٠ …ثالثا: القرية / الوطن / الأمة العربية الإسلامية :
تجلت القرية / الوطن/ الأمة العربية والإسلامية فى قصة ( الشلاقمة) حيث انشغلت قرية الراوى / وطنه / أمته بالبحث عن( الكنز ) / الوهم وتركوا مصادر سترهم وتميزهم وقوتهم ( والناس تفرغوا للحفر داخل بيوتهم ،ولا زرع ،ولا قلع ،والأيام تجريها الأيام …..) ص٥١ .
لقد انتشرت عدوى ( الكنز) / الوهم كالكوليرا بين أهل قرية الراوى…
( انتشر الشلاقمة فى قريتنا : باعة ،ووحفارون، المغاربة، والناس يستخفون من هؤلاء الغرابوة الذين لا يستحون من بيع أي شيئ …وقيراط فى ظهر قيراط ،،وأصحاب البيوت _ المشغولون برقاب النوق …الحيازات الزراعية تنتقل إلى شلقامى وراء شلقامى ..حيازة فى ظهر حيازة….) ص٥٢ ،٥٢ …
:وكانت نهاية قرية الراوى منطقية لإصرار أهلها على التشبث بالو هم / الكنز… انهارت بيوتهم من شدة الحفر داخلها وارتفعت الولايات والأصوات المفجوعة ..( شق الجو صوت مفجوع، الآهات ممرورة: : بيت مرزوق الهلالى جاء عاليه أسفله ..حيطان بيت الأهالى رجت البيتين المجاورين فانهار بدورهما …وبدأت سلسلة انهيا رات وولولات مفجعة ..وغطت شبورة من التراب الكثيف سماء قريتنا ) .
على النقيض طور الشلاقمة / الأعداء نفسهم افرحوا الأرض احفروا الآبار حت لا تكون زراعاتهم تحت رحمة ( المناوية ) ( فى الوقت الذى كان فيه الشلاقمة ينتشرون فى أرض الزمام وحيازاتهم فى جيوبهم ويحفرون آثارا عميقة لرى الأرض ..) ص٥٤.رابعا : ائتلاف لغة المجموعة مع الوعى الشعبى بمعتقداته 😘 سعى القاص فى هذه الجماعة إلى لغة الشعب وتقطيرها، محاولا تفصيحها
وذلك من خلال تصويره المأخوذ عن وعى شعبى لا تصوير البلاغيين والمكتسب من كتبهم .. والأمثلة كثيرة تكتظ بها المجموعة ..افا قصة ( مربط الفرس) تقابلنا هذه العبارات ( داهية كبيرة ..لو شابها غيره قطع النفس وطب ساكنا..فما يكذب خبرا ..ولا نار جهنم الحمراء…( يرفع الداهية السوداء )..
* * ويطالعنا فى قصة ( الأستاذ) معتقد شعبى سائد حتى الآن …فعندما مات الأستاذ ودخلوا مقعده ينقلبون فى أوراقه وجدوا ( حزام من خيوط شبكة الصيادين به قطع صغيرة من الرصاص مثل حبات الترمس ،لفته أمه حول وسطه منذ سنوات ،أيام اللمة ،يمنع السحر ولو كان مكتوبا على ظهر قرموط فى عرض المالح ) ص٣٦.
* وفى قصة ( الشلاقمة ) نلحظ جنوح القاص ناحية معتقد فرعون ارتبط بمقابرهم / كنوزهم ،وهو أن كل مقبرة / باب كنز لا يفتح إلا إذا فك رصده / طلسمه ( يقال إنه موثق ببركات سيدنا الخضر والصلاح ) ص٥٠ …
( زاد الطلب على المغاربة ،وعلى الجنية ( أبوجملين ) وعلى الأجرية ، ،وعلى البخور الجداوي وكافة متطلبات فك الرصد …) ص٥٠
إن هذه القصص ذات خصوصية واضحة ، وتترك بصما تها على قارئها الذى يتمثل ما يريد الكاتب أن يقوله ،ومن هنا فدائرة الاتصال تكتمل على النحو الذى يريده الكاتب وربما أكبر من ذلك …

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق